لاجئون في طرابلس يكابدون من أجل الحصول على لقمة العيش

لاجئة عراقية تصارع من أجل التأقلم على الحياة في طرابلس برفقة أطفالها الأربعة بعد فاجعة وفاة زوجها وفي أعقاب الانتفاضة التي عمت ليبيا العام الماضي.

حبال مزدانة بعلم ليبيا الجديد ترفرف من أحد المساجد في طرابلس بعد عام من ثورة الشعب ضد النظام السابق. ولكن العديد من النازحين الداخليين لم يحتفلوا.  © UNHCR/L.Dobbs

طرابلس، ليبيا، 1 مايو/أيار (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) - عندما بدأ اليأس يخيم على ليبيا في العام الماضي، فكرت عائشة* في المغادرة مع أطفالها الأربعة والمخاطرة بالعودة إلى مسقط رأسها العراق، ولكن الاجراءات الروتينية وصرامة الضباط حالوا دون أن تلحق عائشة بغيرها من اللاجئين القادمين من العراق وغيره من البلدان الأخرى والذين عبروا الحدود التونسية.

وها هي اليوم تعود إلى طرابلس وتحاول أن تنهض بأعباء أطفالها بعد 20 شهرًا مروعاً بدأت بفاجعة موت زوجها عبدول الذي أعقبته الثورة الليبية ضد معمر القذافي. وتقول عائشة: "التحدي الرئيسي الذي يواجهنا اليوم هو عدم وجود مورد دخل مستقر". إنها مشكلة يعاني منها كثيرون من اللاجئين وطالبو اللجوء في ليبيا والذين بدأ بعضهم بالفعل في الأشهر الأخيرة يواجه تهديدات بالطرد من السكن والتسريح من العمل.

ولكن رغم المخاوف التي تنتاب عائشة بشأن الوضع الأمني والمالي المتردي، فإنها لم تعد تفكر في العراق. حيث تقول عائشة ذات الخمسة والأربعين عاماً لزائريها التابعين للمفوضية والمتابعين لأسرتها في إطار أنشطة الحماية التي تقدمها المفوضية: "ليس لي ملجأ آخر أذهب إليه؛ ومن ثم، علي أن أحتفظ ببعض المشاعر الإيجابية بشأن الحياة في ليبيا".

عائشة وأطفالها هُمْ من بين 6,700 لاجئ و2,700 طالب لجوء من نحو 20 دولة مسجلة لدى المفوضية في ليبيا، رغم أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من ذلك بكثير، ظل أغالبهم مقيمين في ليبيا إبان الأزمة التي عصفت بها العام الماضي، نحو 1,200 منهم يسعون في طلب اللجوء إلى تونس ومصر.

ويمثل العراقيون أكبر مجموعة (3,100 ما بين لاجئ وطالب لجوء) ويليهم الفلسطينيون ثم الإرتريون فالسودانيون والصوماليون. وتعتقد المفوضية أن أكثر من 10,000 سوريّ قد دخل ليبيا مؤخرًا.

وكانت المفوضية قد أوقفت تسجيل أي حالة جديدة في يونيو/حزيران من عام 2010 بناءً على أوامر من نظام القذافي وتسعى حاليًا لإبرام اتفاق جديد مع السلطة الانتقالية الليبية، ولكنها تتابع وضع اللاجئين وتقدم لهم المساعدة بالتعاون مع شركائها الدوليين والمحليين في مجالات من بينها الرعاية الصحية والإرشاد النفسي والاجتماعي والمساعدات النقدية والمواد غير الغذائية وعبوات الأغذية الجافة، كما تساعد المفوضية أيضًا في إيجاد وظائف للاجئين ومركز مجتمعي لمساعدتهم في الاعتماد على الذات من خلال توفير فرص مهنية وتدريبية.

دائمًا ما كانت معيشة الأجانب في ظل حكم القذافي محفوفة بعدم الاستقرار نظرًا لصعوبة التكهن بالسياسات تجاه العمالة المهاجرة التي تمثل ركنًا لا غنى عنه للاقتصاد الليبي. وكان عبدول قد لجأ إلى ليبيا في عام 1997 قادمًا من بغداد دون تأشيرة.

وتوضح عائشة قائلة: "كان زوجي مهاجرًا اقتصاديًا". وتعيش عائشة في شقة صغيرة ونظيفة تستأجرها لنفسها؛ حيث يشغل ابنها الأكبر أحمد* -21 عامًا- غرفة مستقلة، بينما تتقاسم ابنتاها -20 و13 عامًا- غرفة أخرى، وتنام عائشة في غرفة الجلوس ومعها ابنها الأصغر عزيز* -10 أعوام- الذي ولد في طرابلس ولكنه لا يحمل الجنسية.

وكانت هذه الأسرة قد قدمت إلى ليبيا بعد أن وجد عبدول وظيفة، ولكنه ما لبث أن سُرِّحَ من عمله في عام 2001 عقب القرارات الصارمة التي كان القذافي قد اتخذها ضد العمالة المهاجرة إبان فترة الركود الاقتصادي. وقد تمكن عبدول من العثور على وظيفة أخرى بعد أن اضطُرَّ لقبول أجر أقل وقد واجه بعض المشاكل في الحصول على تصريح إقامة لأسرته.

وفي عام 2006، تقدمت الأسرة بطلبٍ إلى المفوضية للحصول على صفة اللجوء، وعن هذا تقول عائشة: "لقد لجأنا إلى مكتب المفوضية طالبين الحماية لأن وجودنا في البلاد دون تصريح إقامة كان غير شرعي"، مشيرة في الوقت ذاته إلى ما قام به القذافي في عام 1995 من طرد آلاف الفلسطينيين، وتضيف: "كنا نخشى أن نُطرد على حين غُرَّة". لقد رأت الأسرة أن العودة إلى العراق لم تكن خيارًا مطروحًا بعد اندلاع أعمال العنف الطائفي الدموية في عام 2006.

لم تكن الحياة في طرابلس سهلة، غير أن عبدول استطاع توفير احتياجات أسرته. وفي أحد أيام شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2010، لم يعد عبدول من عمله. وتقول عائشة وقد أغرورقت عيناها بالدموع: "كان يصلح مصعدًا في معهدٍ للموسيقى عندما سقط ميتًا... لقد كان الأمر صادمًا لجميع من عرفه؛ فقد كان محبوبًا من الجميع".

وبينما كانت الأسرة ما تزال تكافح من أجل تجاوز محنة وفاته اندلعت الثورة ضد حكم القذافي الذي استمر طيلة 42 عامًا في شهر فبراير/شباط التالي. وتقول الأم: "في ذلك الوقت، كان أبنائي في مراحل التعليم بالمدارس أو الجامعة؛ لذا، فقد قررنا البقاء ومواجهة العواقب"، وأضافت أنه فضلاً عن عدم امتلاكها تصريح إقامة، فإن صلاحية جواز سفرها العراقي كانت قد انتهت.

وراحت عائشة تتذكر وتقول: "كانت تفجيرات الناتو تقع بالقرب منا"، في إشارة إلى أن معيشتهم كانت بالقرب من قاعدة عسكرية كبيرة، وتضيف: "عندما كانت القاعدة تتعرض لقصفٍ، كان بإمكانك أن ترى الدخان يتصاعد والأتربة تنهال على المنازل". لم يكن في استطاعتهم سوى التزام المنازل والدعاء. وتقول عائشة: "بل إننا كنا قد حزمنا أمتعتنا وكنا ننام مرتدين ملابسنا لنكون مستعدين للمغادرة فورًا".

وبعد أن سقطت العاصمة في أيدي القوات المقاومة للقذافي في أغسطس/آب الماضي، قررت الأسرة التوجه إلى تونس مدفوعة بقلقها من الوضع في طرابلس. وتقول عائشة: "لقد أردنا العودة إلى وطننا"، غير أن المسؤولين على الحدود لم يسمحوا لها بدخول تونس حتى ولو كان ذلك بدافع إنساني بسبب انتهاء صلاحية جواز سفرها.

ويقول أحمد إن الأسرة ظلت عالقة على الحدود ليومين ولم يقم خلالهما الدبلوماسيون العراقيون بدورٍ يذكر؛ الأمر الذي عزز في داخله العزم المتزايد على "عدم الرجوع إلى العراق".

لقد أصبح الحاضر هو أهم ما يشغل ذهن هذه الأسرة الآن. ويقول أحمد: "لا يوجد أمامنا الآن خيار آخر إلا البقاء في ليبيا"، مشيرًا إلى أن صلاحية تصريح إقامته قد انتهت أيضًا. ولكن الجيد في الأمر هو إعفاء الأطفال الأربعة من مصاريف المدرسة أو الجامعة نظرًا لأنهم يحملون إثباتًا لوضعهم كلاجئين.

بل إن أصدقاءهم وجيرانهم الليبيين قد جمعوا مبالغ نقدية لمساعدة الأسرة فضلاً عن الدعم الذي تتلقاه الأسرة بين الحين والآخر من أصحاب العمل الذي كان يعمل فيه عبدول من قبل والمبالغ المالية التي يرسلها بصفة غير منتظمة أحد أعمامه الذي يعيش في جمهورية التشيك. كما يعمل أحمد في أوقات فراغه لدى صديق يدير متجرًا للأحذية.

ولكن عائشة أشارت إلى أنهم سوف يعيدون النظر في الخيارات المتاحة بمجرد أن ينتهي الأبناء من تعليمهم، وتختتم عائشة حديثها قائلة: "إننا -كعراقيين- لا نرى أمامنا مستقبلاً رغدًا في هذا البلد".

*تم تغيير الأسماء لأسباب تتعلق بالحماية

بقلم ليو دوبز من طرابلس، ليبيا