شغف شابة مسلمة بالتعليم يفتح لها أبواب التغيير

في منطقة نائية من ميانمار، استطاعت امرأة شابة أرادت يوماً الحصول على التعليم - بمساعدة من المفوضية - أن تلهم العديد من الفتيات الأخريات.

روزيا وهي تدرّس في أحد الفصول في مدرسة متوسطة في ولاية راخين بميانمار. وقد صارعت الفتاة البالغة 21 عاماً مجتمعها المحافظ والفقر ومدرسيها الذين شككوا بمقدرتها من أجل الحصول على التعليم.  © UNHCR/K.McKinsey

فاونغ داو باين، ميانمار، 11 مايو/أيار (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) - بصوتها الهادئ وطبعها المحتشم، لم تكن روزيا البالغة من العمر 21 عاماً من الرائدات. لكن هذه الشابة المسلمة، بعزيمتها الفولاذية ورغبتها في تخطي العوائق، استطاعت من بين حشد كبير يقطن في ولاية راكين شمال ميانمار أن تقنع العديد من الآباء ورجال الدين بأهمية تعليم الفتيات وصارت نموذجًا ومثالًا يحتذى به للفتيات المراهقات.

تقول روزيا، وهي أول مقيمة في نُزل للطالبات - ترعاه المفوضية - تتمكن من اجتياز امتحان القبول الوطني: "لقد كان التعليم أمرًا عاديًّا بالنسبة للفتيان، لكنه ليس كذلك بالنسبة للفتيات، إلا أن الأمر يتغير الآن."

وروزيا، شأنها شأن الكثير من الناس في ميانمار، تحمل اسمًا واحدًا فقط، وقد تركت التعليم هي وأختاها الكبيرتان وبقين في المنزل في قرية فاونغ داو باين الصغيرة، بينما ذهب أخواها إلى المدرسة.

أما والدها الأرمل البالغ من العمر 55 عامًا والذي يعمل صانعًا للسلال ويكافح ليعول أسرته حيث يكسب ما يعادل 60 سنتًا أمريكيًّا في اليوم فلم يكن لير أيَّ فائدة من تعليم الفتيات، وحتى إذا ذهبن إلى المدرسة الابتدائية، فطبقًا للتقاليد الإسلامية هناك، يتعين عليهن الابتعاد عن الدراسة عند سن البلوغ، والبقاء خلف الأبواب الموصدة انتظارًا للزواج.

لقد تغير فكر اولي أحمد ذات يوم عندما كان في السوق يحاول أن يبتاع الخامات اللازمة لصناعة سلال الخيزران. لم يكن قادرًا إلا على التحدث بلهجته المحلية، بينما كان البائع يتحدث اللغة البورمية فقط. وأخيرًا، عثرا على فتاة متعلمة لتترجم لهما.

وتتذكر روزيا، أثناء فترة راحتها من عملها كمدرسة في إحدى المدارس المتوسطة التابعة لبرنامج آخر تموله المفوضية، قائلة: "لقد عاد إلى المنزل يومئذٍ وقال: ينبغي أن تدرس واحدة من البنات وتتلقى التعليم."

واليوم يزهو والدها مفتخرًا بها في كل كلمة تتفوه بها. ويقول اولي أحمد، وهو يقف خارج الفصل الدراسي حيث تعمل ابنته: "ترغب الكثير من الفتيات في الدراسة الآن اقتداءً بروزيا." لم يكن من السهل على روزيا الوصول إلى هذه المكانة حيث إنها لم تلتحق بالمدرسة الابتدائية أصلاً، إلا أنها حاولت تحصيل ما فاتها عن طريق الالتحاق ببرنامج اللغات الخاص بالأطفال تحت رعاية المفوضية."

حَكمت المُعلمة عليها من النظرة الأولى بأنها صغيرة السن وصرفتها دون أن تقبلها، رغم أن عمرها كان مناسباً. ولم يثن ذلك من عزيمة روزيا، فقد ذهبت لحضور الفصل الدراسي كل يوم بغض النظر عما قالته المُعلمة، حتى أذعنت المُعلمة أخيرًا وسمحت لها أن تحلَّ محلَّ إحدى الطالبات التي انقطعت عن التعليم.

و كان الغذاء المقدم من وكالة أخرى تابعة للأمم المتحدة، وهي برنامج الغذاء العالمي، كافيًا لإقناع اولي أحمد بالإبقاء على ابنته في الفصل الدراسي حيث كانت الأسرة كلها تقتات من الطعام الذي تحصل عليه الفتاة.

وفيما سارت الفتاة بخطى سريعة متمَّة المرحلة الابتدائية ثم المرحلة الثانوية، واجه الأب ضغط القرويين الآخرين وأئمة الدين الذين ارتأوا ضرورة خروج روزيا من التعليم وبقائها في المنزل. تقول روزيا: "لقد كان دعم أسرتي دافعًا لي لأتمكن من تذليل كل العقبات التي حالت دون تقدمي."

في عام 2008م، انضمت روزيا لأول مجموعة من الفتيات اللاتي انتقلن إلى نُزلٍ للطالبات تموله المفوضية في تونغ بازار، ويبعد 90 دقيقة عن مدينتها سيرًا على الأقدام بطريق خطر. وتمول المفوضية هيئة الخدمات المجتمعية والأسرية الدولية في الفلبين لإدارة ثلاثة نُزل للطالبات في هذه المنطقة.

لا توفر النُزل مكانًا لمعيشة الفتيات الوافدات من قرى نائية فقيرة فحسب خلال ارتياد المدارس الحكومية، بل توفر لهن أيضاً الدروس الإضافية وتعلمهن المهارات الاجتماعية.

لقد أخفقت كل زميلاتها في نُزل تونغ بازار في اجتياز امتحان القبول الوطني في محاولتهن الأولى عام 2009م. وكانت روزيا الوحيدة التي أعادت المحاولة لتنجح في العام التالي. وقد عادت لتمتهن التدريس بالقرب من منزلها في القرية وتغير من سلوك المحيطين بها من خلال حضورها القوي.

وتقول: "عندما بدأت أسافر لأول مرة، نظر لي الكثير من رجال الدين بعين غير راضية، بيد أنهم الآن يقدرون عملي. ويسعد غالبية أفراد مجتمعي بعودتي." والأكثر من ذلك أن العديد من الأئمة يحاولون الآن ضمان أماكن لبناتهن في المدرسة.

تتذكر الـ19 فتاة المقيمات حاليًا في نُزل تونغ بازار عادات روزيا في الدراسة كمثل للاقتداء به وينظرن لإنجازاتها كمصدر لإلهامهن. "لم تتخرج أي فتاة من هذه المنطقة للعمل كمهندسة، لذلك أريد أن أكون أولى الخريجات" هكذا تقول توسيم، تلك الفتاة البالغة من العمر 16 عامًا، وهي واحدة من سبعة أطفال من قرية تتألف من 28 أسرة فقط.

وتوضح توسيم قائلة: "تعاني غالبية الأسر من الفقر، لذلك يتعين على الفتيات الذهاب إلى الجبال والأحراش لجمع الحطب (لبيعه). وعندما رجعت لمنزلي لقضاء العطلة، قالت لي كل بنات القرية إنك قد تغيرت بعدما عشت في النُزل، وقلن: كم تغير مظهرك، وأسلوبك، وثقتك بنفسك، وتواصلك مع الآخرين." لقد كن منبهرات حقًّا.

وبالعودة إلى المدرسة المتوسطة حيث تقضي روزيا فترة الراحة بعد تدريس اللغة البورمية، حيث تتخيل إلى أي مدى كان من الممكن أن تتغير حياتها لو لم تعتزم المضي قدمًا في مسيرة التعليم.

وأضافت: "لم يكن أمامي خيار سوى البقاء في المنزل والجلوس خلف الستار وعدم الخروج من المنزل أبدًا انتظارًا لمن يطلب يدي للزواج. أو ربما كنت سأعمل كخادمة في القرية أو أطحن الفلفل الحار من أجل كسب ما يسد الرمق." لقد قررت، عوضًا عن ذلك، أن تلتحق بالتعليم الجامعي حيث تقول: "كم كنت تواقة لأن أصبح مدرسة للغة الإنجليزية، وأعود للعمل في إحدى نُزل الطالبات إلى أن أعمل أخيرًا لدى المفوضية."

بقلم: كيتي ماكينزي، من فاونغ داو باين، ميانمار