مغنٍ لموسيقى "الريغي" يوُلد لاجئاً ويعود إلى وطنه نازحاً

وُلد لاجئاً ووقع في دوامة العنف في جنوب السودان وينتهي به الحال نازحاً على مقربة من منزله.

الطالب ومغني موسيقى الريغي ديفيد، أحد النازحين في جوبا، يتسلق إلى 'غرفة النوم'، وهي حاوية للشحن ينام فيها الشاب الجنوب سوداني.  © UNHCR/K.Gebreegziabher

جوبا، جنوب السودان، 3 يناير/ كانون الثاني (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) - تحول ديفيد إلى لاجئ حتى من قبل أن يُولد، وذلك عندما فرت أمه التي كانت حاملاً به إلى إثيوبيا في عام 1986. ولكنه لم يتخيل أبداً أنه بعد مُضي 26 عاماً سيتعرض للنزوح مجدداً في بلده جنوب السودان الذي نال استقلاله حديثاً.

يقول ديفيد من داخل إحدى القواعد العسكرية التابعة للأمم المتحدة التي أصبحت ملاذاً للمدنيين النازحين جراء الصراع خلال الأسبوعين الماضيين: "قضيت معظم أعوامي في الانتقال من مكان إلى آخر كلاجئ في أراضٍ أجنبية، ولكن لا شيء يُقارن بالوضع الذي أعيشه اليوم. كلاجئ (لمدة عشرين عاماً) في إثيوبيا وكينيا، كنت على الأقل أنعم بالأمن وأحصل على المساعدات الأساسية، ولكن هنا، نحن نعيش في حالة من الخوف بسبب عدم يقيننا بما سيحدث في الدقيقة التالية".

يحدث ذلك على بُعد عدة كيلومترات فقط من منزله في جوبا عاصمة جنوب السودان. يدرس ديفيد في نيروبي، ولكن حظه العاثر قاده للعودة إلى جوبا عندما اندلعت المواجهات العنيفة في 15 ديسمبر/ كانون الأول الماضي في قتال بين القوات الحكومية وقوات بقيادة نائب الرئيس السابق ريك ماشار.

سرعان ما انتشر الصراع إلى سبع ولايات من أصل عشرة في البلاد، ليتعرض ما يقرب من 200,000 شخص للنزوح، بما في ذلك نحو 10,000 شخص فروا إلى البلدان المجاورة. وقد سعى حوالي 56,000 سوداني جنوبي ومدنيين آخرين للمأوى في قواعد عسكرية تابعة لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان في أنحاء البلاد، ويشمل ذلك نحو 14,000 شخص في قاعدة في جوبا تُعرف باسم تونغ بينغ، حيث يعيش ديفيد الآن.

الأحوال في تونغ بينغ مزرية. وقد قامت وكالات الإغاثة بتوفير بعض المساعدات الأساسية، ولكن معظم الأشخاص النازحين يتدبرون أمرهم بأنفسهم. ويقول ديفيد إن حتى من فروا وبحوزتهم بعض المال وجدوا أن مغادرة مجمع الأمم المتحدة لشراء الطعام أمر بالغ الخطورة.

وتعمل المفوضية عن كثب مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى من أجل حماية النازحين. ويقول بيتر تروتر، كبير مسؤولي الحماية بالمفوضية في جنوب السودان: "نعمل نحن وشركاؤنا بنشاط لتعقب الأطفال المنفصلين عن ذويهم ولم شملهم مع عائلاتهم، إلى جانب تحديد ضحايا العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس والإبلاغ عنهم وعلاجهم".

ويروي ديفيد باللغة الأمهرية، التي تعلمها خلال 14 عاماً قضاها في إثيوبيا، كيفية قدومه إلى جوبا في ديسمبر/ كانون الأول للحصول على الوثائق الضرورية لكي يتمكن من استكمال دراسته في مجال الإنتاج التلفزيوني والإذاعي في نيروبي، عاصمة بلد الجوار كينيا. وحيث تعود أصوله إلى ملكال، عاصمة ولاية أعالي النيل الغنية بالنفط، التي تقع على بعد 600 كيلومتر شمالي جوبا، فقد تعلم ديفيد أيضاً اللغة السواحيلية أثناء فترة أخرى من لجوئه في كينيا.

إلا أن القتال اندلع في 15 ديسمبر/ كانون الأول عندما كان يجمع وثائقه في جوبا. ويقول: "لقد كانت تجربة رهيبة. كما نشعر جميعاً بالخوف بسبب طلقات النيران التي كانت تستمر طوال الليل، وهو ما تسبب في شعورنا باليأس ومغادرة منازلنا". وقد استجمع شجاعته أخيراً لكي يفر إلى قاعدة بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان من أجل الحماية.

ويقول مبتسماً رغم قصته البائسة: "لقد وصلت إلى هنا ولم يكن معي المال الكافي، ولم أكن أملك سوى الملابس التي كنت أرتديها. أنا أحيا بدعم الأصدقاء وغيرهم من الأشخاص الذين أعرفهم".

اختار ديفيد النوم فوق سطح واحدة من حاويات الشحن العديدة المنتشرة حول القاعدة العسكرية، التي تقع بجوار المطار التجاري للعاصمة. ويضيف قائلاً: "كما ترى، الأرض وحلة ومتسخة وظننت أن سطح الحاوية مكان أفضل للنوم".

ولكن ربما يكون هذا المأوى سبباً في عدم حصوله بعد على أيٍّ من الغذاء ومواد الإغاثة الأخرى التي تقوم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية بتقديمها.

هذا الشاب الذي يتحدث لغات عدة هو مغنٍ عاشق لموسيقى الريغي وكان يكسب قوته من الغناء في إثيوبيا وكينيا. ولكن مستقبله الذي كان مشرقاً في يوم ما أخذ يُعتم أمام عينيه. ويقول عن بلده الذي احتفل مؤخراً بالذكرى الثانية للاستقلال الذي حصل عليه بعد حرب دامت 22 عاماً: "كنت أظن أن ماضينا السيئ قد ولَّى إلى الأبد وكنت أخطط لإنهاء الدبلوم والعودة إلى الوطن من أجل العمل. ولكن الوضع الآن بات سيئاً للغاية. وكل ما أصلي من أجله هو أن أحصل على الفرصة لمغادرة البلاد" - مجدداً.

بقلم كيسوت جيبري إغزيابهر، جوبا - جنوب السودان