إحدى ضحايا الصراع تقول إن جمهورية إفريقيا الوسطى بحاجة للعدالة قبل المصالحة

أدَّى الافتقار إلى نظام قانوني مطبق إلى تفاقم الصراع الذي ارتقى فيه الاقتتال إلى مستوى الأعمال الوحشية التي تمزق أواصر المجتمع.

ماري إلين تنصح بانتظار العدالة وعدم الثأر بعد مقتل أبيها.  © UNHCR/D.Alachi

بانغي، جمهورية إفريقيا الوسطى، 4 إبريل/ نيسان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) - على الرغم مما مرت به ماري إلين* مباشرة من تجارب مروعة وما شهدت من أعمال وحشية جراء الصراع في جمهورية إفريقيا الوسطى، إلا أنها تطالب بتحقيق العدالة ولا تسعى إلى الثأر.

اتسمت أعمال العنف في جمهورية إفريقيا الوسطى منذ شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي بالتصعيد والضراوة، كما شهدت تطوراً جديداً يتمثل في الهجمات القائمة على أسس دينية والتي تمزق النسيج الاجتماعي للبلاد.

تحدث أنطونيو غوتيريس أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الشهر الماضي قائلاً إن "الضراوة والوحشية" اللتان سمع عنهما في جمهورية إفريقيا الوسطى في فبراير/ شباط قد سببا له أعمق حزن شعر به خلال الأعوام الثمانية التي قضاها بمنصب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

كانت ماري إلين تعمل ممرضة في إحدى مستشفيات بوسانغوا؛ تلك البلدة المطلة على نهر أوام وتقع على بعد نحو 300 كيلومتر شمال بانغي. كانت البلدة مكاناً يعيش فيه المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب سعداء جيلاً بعد جيل.

ماري إلين، هي أم لتسعة أبناء كانت تعيش معهم ومع والديها في قرية باتون التي تبعد 10 كيلومترات عن بوسانغوا. كان والدها قسيساً وكان ينشغل أيام الآحاد بجمع المصلين الكبير الذي يأتي لحضور القداس.

ساورهم القلق كغيرهم، عندما أحكم مقاتلو حركة سيليكا، وهي عبارة عن ائتلاف من مجموعات متمردة يغلب عليها المسلمون، سيطرتهم على العاصمة بانغي في شهر مارس/ آذار عام 2013، إلا أنهم لم يعتقدوا حقاً أن الصراع سوف يصل لهم. ولكنه وصل، فقد هاجمت قوات حركة سيليكا في سبتمبر/ أيلول الماضي قريتهم.

فرت ماري إلين وعائلتها إلى مقر إقامة رئيس الأساقفة في بوسانغوا، حيث يؤوي أكثر من 10,000 مسيحي جراء الخوف. وقد قررت العائلة يوم الأحد الموافق 6 من أكتوبر/ تشرين الأول أن تعود إلى باتون لأن الأب صمم على ألا يفوت موعد إقامة القداس. وبينما كانت العائلة تجلس في أحد بساتين المانغو، توجه القس العجوز وقرع الجرس لدعوة المصلين إلى الصلاة. إلا أن مقاتلي حركة سيليكا أتوا بدلاً من المصلين.

قالت ماري إلين: "رأينا سيارة فيها عناصر من حركة سيليكا تقترب أكثر فأكثر من الكنيسة. ثم دخل عدة رجال مسلحون وسمعنا صوت إطلاق النار".

لم تتمكن هي وأشقاؤها من دخول الكنيسة إلا في اليوم التالي بعد مغادرة مقاتلي حركة سيليكا، حيث قاموا بجمع أشلاء جثة والدهم ودفنوها في الكنيسة التي خدم بها طوال حياته.

سمعت ماري إلين شائعات في بوسانغوا حول استهدافها هي وعائلتها، ففروا من البلدة. "استقللنا حافلة إلى بوسيمبل، ومنها ذهبنا سيراً على الأقدام إلى بوالي، وبعدها استأجرنا سيارة أجرة أخذتنا إلى العاصمة. استغرقت الرحلة 10 أيام قبل أن نصل إلى المطار حيث شعرنا بالأمان".

أصبحت ماري إلين الآن ناشطة في مجتمع النازحين، فهي دائماً ما تزور شريكة المفوضية - منظمة الأولوية الملحة - بوصفها ميسرة لعمليات التواصل، وإحالة الضعفاء كالنساء ضحايا العنف الجنسي والأطفال المتروكين إلى منظمات الإغاثة. كما أنها تحاول أن تضمن حصول المحتاجين على خدمات الرعاية الصحية.

فضلاً عن هذه الأنشطة، تحاول ماري إلين أن تعزز السلام بطريقتها الخاصة: "تتسم أعمال العنف بالطابع الانتقامي، كما يتلاعب الناس بالقانون كما يشاؤون للأسف. أقول دائماً لأشقائي وأفراد مجتمعي أن يتحلوا بالصبر ولا يلجؤوا إلى استخدام العنف لتحقيق العدالة".

لقي ما يزيد عن 2,000 شخص مصرعهم خلال القتال الدائر بين مقاتلي حركة سيليكا والمناهضين لبالاكا منذ شهر ديسمبر/ كانون الأول. وقد أدَّى ضعف الدولة وعدم وجود نظام لتحقيق العدالة الجنائية في جمهورية إفريقيا الوسطى إلى تفاقم الوضع. وحتى في حالة توقيف الشرطة لأحد المجرمين، لا يوجد هيكل لمقاضاته، فقد توقفت المحاكم والسجون عن العمل.

سوف يمنع نظام إقامة العدالة الأشخاص من مواصلة ارتكاب الجرائم مثل جرائم القتل ويشجعهم على السعي لتحقيق العدالة خارج نطاقهم. يؤدي غياب العدالة إلى تمزيق أواصر المجتمع. فإلى جانب إقرار الأمن، من المهم تقديم الدعم إلى إعادة بناء نظام العدالة حتى تلتئم جراح جمهورية إفريقيا الوسطى.

وقالت أيضاً: "كيف يمكنني أن أتصالح واغتيال أبي بصورة وحشية لم يتم الاعتراف به؟ كيف تريدون أن أتصالح وأنا أجد أمامي رجالاً مسلحين؟ نريد أن تتحقق العدالة أولاً".

أدَّى تجدد أعمال العنف الطائفي في أواخر شهر مارس/ آذار إلى موجة نزوح جديدة. وقد ارتفع عدد النازحين داخلياً في جمهورية إفريقيا الوسطى إلى 637,000 شخص، من بينهم 207,000 في بانغي، فضلاً عن نحو 317,000 لاجئ في البلدان المجاورة.

تقول ماري إلين: "لن أعود إلى بوسانغوا. لا أقدر على العودة. أخشى أن أجد نفسي في يوم من الأيام أمام قتلة أبي. لقد ارتُكب الكثير من الفظائع. ونحن نريد أن نطوي هذه الصفحة من حياتنا".

* أخفيت هويتها الحقيقية لدواع أمنية

بقلم داليا العشي، بانغي، جمهورية إفريقيا الوسطى