أزمة البحر المتوسط تدفع امرأة فيتنامية لكسر صمتها الطويل

طاهية دنماركية معروفة تخبر ذكرياتها المؤلمة عندما كانت لاجئة في الخامسة من العمر.

تكلمت آن لي التي فرت سابقاً على متن قارب وأصبحت طاهية ناجحة في الدنمارك، للمرة الأولى عن تجاربها – بعد أن رأت الصور المؤثرة عن رحلات عبور البحر الأبيض المتوسط.   © UNHCR/I.Wang

كوبنهاغن، الدنمارك، 6 يوليو/تموز (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) - أعادت الصور المؤلمة لأزمة غرق القوارب في البحر الأبيض المتوسط ذكريات "حلوة ومريرة" إلى ذهن آن لي، وهي واحدة من أشهر أصحاب المطاعم الفيتناميين في الدنمارك، وقد عبرت المحيطات للوصول إلى حيث هي اليوم.

أُجبرت على الفرار مع عائلتها من فيتنام بواسطة إحدى القوارب عندما كانت في الخامسة من عمرها. تحدّت القراصنة والعواصف والخوف الدائم من العنف وحققت النجاح ووجدت السعادة في الأرض التي تبنتها.

واليوم، بعد أعوام من الصمت حول محنتها، ونظراً إلى الأحداث المروعة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، تشعر بأنها مضطرة للبوح بشيء ما.

تقول: "لا أتكلم عن ذلك على الإطلاق كما أن أهلي لم يثيروا هذا الموضوع طوال أعوام عديدة، فقد كان مرعباً جداً. ولكن الأزمة في البحر الأبيض المتوسط... تؤثر فيك بطريقة ما. أعتقد أنني أخفي أموراً كثيرةً، فهناك أشياء لن أتخطاها أبداً لكنني كنت واحدة من المحظوظين."

واليوم، فإن الطاهية التي ألّفت كتاباً عن الطبخ تبلغ من العمر 42 عاماً، وتظهر بانتظام على شاشة التلفزيون في برنامجها "Spis Vietnam"، لمشاركة جمهورها الدنماركي وصفات فيتنامية حديثة. وتعتبر قصتها إحدى قصص الأمل والانتصار ولكنها لم تنسَ الماضي أبداً.

تقول للمفوضية في مقابلة أجرتها حديثاً إن "الأخبار وصور الناس على من القوارب الصغيرة المكتظة والأشخاص الذين يسبحون بيأس بعد غرق قواربهم محاولين الوصول إلى الشاطئ للبقاء على قيد الحياة وصور الجثث - لا سيما جثث الأطفال- العائمة على سطح المياه، أيقظت ذكرياتي. أحزنني ذلك كله وأجبرني على الكلام."

ومن خلال المشاركة، تأمل آن أن تتمكن من تحويل التركيز من الوصف السلبي لطالبي اللجوء إلى التحدّث عن طالبي اللجوء واللاجئين باعتبارهم مساهمين في المجتمع لا عبءاً عليه.

وأضافت قائلةً: "اعتقدت بسذاجة أن العالم تعلّم شيئاً من حرب فيتنام (والعديد من الحروب الأخرى) ومن الناس الذين فروا على متن القوارب ... ولكن من الواضح أنه يتعين علينا التحدث عن ذلك. يجب أن نخبر الناس بأن الأمر قد يحدث معهم في المستقبل. ما من حلّ مثالي، والجميع يخاف من فقدان شيء إذا تكلم عن الموضوع... ولكن يجب أن نجد حلاً."

وتدفعها معرفتها الشخصية بما يعنيه الفرار من الوطن واللجوء للرد بقوة على بعض التعليقات في وسائل الإعلام التي توحي بأن الناس يبحثون حول العالم عن أفضل مكان لطلب اللجوء.

وشرحت قائلةً: "أعتقد أن هؤلاء الأشخاص في فترة كهذه لا يفكرون في أي بلد يختارون وأين يمكنهم الحصول على أكبر قدر من المال، كل ما يفكرون فيه هو أنهم يريدون أن يكون أولادهم في مكان آمن."

بدأت رحلة فرار آن بسبب عمل والدها كضابط في البحرية الفيتنامية التي كانت متحالفة مع الولايات المتحدة. وبعد انتهاء الحرب في عام 1975، تم إرساله إلى أحد المخيمات.

التقى رجل أعمال صيني كان قد بنى قارباً وبما أن والدها كان يتمتع بالخبرة في البحرية، قدّم له مكاناً على متن القارب شرط أن يقوده. فغادرت معه آن وأشقاؤها الثلاثة الذين تتراوح أعمارهم بين التسعة أشهر والستة أعوام. وتقول آن: "عندما سأله الناس عن سبب اصطحابنا معه، أجاب والدي قائلاً: 'إذا تركتهم سيموتون. أما إن قُدر لنا الموت الآن، فسنموت سوياً.'"

اعتبر والدها أن منح أولاده فرصة للحصول على حياة أفضل وأكثر أماناً أمر يستحق المجازفة. وكان على متن القارب أكثر من 1,000 شخص.

في وضع مشابه جداً للأزمة الحالية في جنوب شرق آسيا، رفضت هونغ كونغ وماليزيا وإندونيسيا دخول القارب الذي كانت آن على متنه إلى أراضيها. وبعد 14 يوماً من الإبحار من مكان إلى آخر، نفدت المياه وقلّ الطعام - وبدأ الوضع يصبح يائساً.

"اضطر الناس إلى التبول على متن القارب. شعروا بالتعب وكان عددهم كبيراً جداً، حتى أن المشي أو التنفس كان صعباً. وبمساعدة آخرين على متن القارب، تمكن والد آن من حمايته من القراصنة ولكن الوقت كان ينفد.

وأخيراً، اتخذ قراراً بإغراق القارب عمداً قبالة شواطئ إندونيسيا لكي لا يُعاد إلى البحر. ولم يكن معظم من كانوا على متنه يجيدون السباحة، فأمضى الآخرون اليوم في العبور من الشاطئ إلى القارب وبالعكس ومساعدة زملائهم المسافرين في الوصول إلى بر الأمان.

اصطُحبت آن وعائلتها والناجون الآخرون إلى مخيم للاجئين في إندونيسيا. أمضوا ثلاثة أشهر ينامون على أرض خيمة تقاسموها مع أربع عائلات أخرى. وبما أنهم لم يكونوا يملكون المال، تمكنت العائلة من البقاء على قيد الحياة بفضل تناول السمك الذي كان الوالد يصطاده خلال الليل. كثُر البعوض في المخيم وكان المطر يتساقط باستمرار.

ثم تلقت العائلة خبر إعادة توطينها في الدنمارك في عام 1979. وقالت آن مبتسمةً: "تم إرسالنا على متن الخطوط الجوية الإسكندنافية إلى كوبنهاغن. شعرنا وكأننا في الجنة. وبدا لي أن المضيفات كن يأتين كل لحظة لسؤالي عما أريد أن آكل أو أشرب. كانت تلك أجمل تجربة على الإطلاق."

بعد إقامة قصيرة في كوبنهاغن، أُرسلت العائلة إلى آلبورغ في شمال الدنمارك حيث بدأت حياة جديدة واندمجت بسرعة في المجتمع الدنماركي.

بعد إنهاء دراستها، أقامت آن في الولايات المتحدة الأميركية وفيتنام وفرنسا قبل أن تعود إلى الدنمارك عام 2003. وتضحك قائلةً: "كنت قد اتخذت قراراً مع أشقائي بفتح مطعم في كوبنهاغن. كانت تلك البداية، ونحن نعمل بجد منذ ذلك الوقت، ونقوم بأمور مسلية ومجنونة!"

تخصص آن أيضاً وقتها والأموال التي جمعتها من كتاب الطبخ الذي ألفته، لمساعدة الأطفال في البلدان النامية من خلال قرى الأطفال SOS. تفاقمت أزمة البحر المتوسط في عام 2015، فاتخذت آن قراراً مؤلماً بالكلام للمرة الأولى عن تجاربها، وقالت: "من المهم جداً أن نتذكر أن الأمر قد يحدث معنا. نعم، من الجيد أن تتمكن من العيش في بلد آمن، لكنك لا تدري متى يتزعزع منزلك."

بقلم ميشال فان دير مير، كوبنهاغن، الدنمارك