بدعم من المفوضية، نازح سوري يصنّع المرايا من جديد في أسواق حمص

اضطر محمد وليد زيدان، ذو الخمسين عاماً، للنزوح من منزله في حيّ جورة الشّياح في حمص القديمة بسبب القتال الدائر آنذاك في عام 2013، بحثاً عن مكان أكثر أمناً له ولزوجته وأبنائه الأربعة ليمضي قرابة أربع سنوات دون أن يجد لنفسه فرصة عمل، أو أن يلبي احتياجات أسرته الكبيرة في ظل أحوال معيشية قاسية.

محمد وليد، 50 عاماً، نازح سوري، يصنع المرايا في ورشته الصغيرة التي أسسها بعد أن حصل على منحة مالية من جمعية رعاية الطفل بدعم مفوضية اللاجئين.
© UNHCR

رغم الضوضاء التي تحدثها آلة برد الزجاج في ورشته الصغيرة في حمص والتعب الذي ينال منه مع نهاية كل يوم، يحافظ محمد على حيويته وتلتمع عيناه بنشاط وابتهاج.

في عام 2016، علم محمد بأن جمعية رعاية الطفل تمنح - بدعم من المفوضية - مبالغ مالية صغيرة للحرفيين الذين فقدوا عملهم خلال الحرب في حمص. وعلى الفور، اتجه إلى الجمعية وشرح لها وضعه المعيشي، ليحصل على مبلغ من المال قرر استثماره في تأسيس ورشته الصغيرة لصناعة المرايا الزجاجية وشراء العدد اللازمة، وهي حرفة اعتاش منها لسنوات طويلة خلت قبل أن تحط الحرب رحالها في مدينته. يقول محمد مفتخراً: "الإنسان يجب أن يبدأ من الصفر، وما قمت به كان من أشياء بسيطة."

واصلت الأزمة في سوريا إحداث تداعيات أوسع نطاقاً على السكان المتضررين من الحرب منذ عام 2011، مما أعاق قدرتهم على السيطرة الكاملة على زمام أمور حياتهم وأضر بفرصهم في الحصول على الغذاء والمسكن والرعاية الصحية وغيرها من الأمور الضرورية. وإدراكاً من المفوضية باختلاف الأولويات والصعوبات والفرص، فقد قدمت أشكالا متباينة من الدعم لسُبل كسب العيش عن طريق توفير فرص لإدرار الدخل وضمان استمراره بحسب قدراتهم واهتماماتهم.

"بعدما تهجرنا من بيوتنا بدأت أبحث عن عمل لكنني لم أستطع"

يقطن محمد وأسرته حالياً في منزل أخته في حيّ الإنشاءات الواقع في مدينة حمص، وقد اتخذ من دار صغيرة مجاورة للمنزل لا تتجاوز مساحتها أمتاراً قليلة مكاناً لعمله بعد أن سقفها بصفائح بلاستيكية شفافة.

سوريا: صانع المرايا

يقول محمد وقد أبت تعابير وجهه أن تخفي حجم معاناته وقت الضيق في السنوات السابقة: "بعدما تهجرنا من بيوتنا بدأت أبحث عن عمل لكنني لم أستطع".

يختزن محمد "أيام العز" في ذاكرته، لاسيما حي باب هود، وهو أحد الأبواب السبعة لمدينة حمص القديمة، حيث لم يتبق من آثار هذا الحيّ إلا بعض الحجارة، وهو الذي كان يعتبر منفذاً تجارياً من أسواق المدينة باتّجاه الساحل السوري. فقد متجره وبضاعته وعدة عمله في ذلك الحي بعد أن كان تاجراً معروفاً وذا سمعة طيبة – بحسب قوله - وأن متجره كان يزخر بأشكال مختلفة من المرايا ذات الجودة العالية: "كنت أملك ورشة كبيرة لصناعة المرايا، وكميات كبيرة من البضائع  وكان متجري مشهوراً في مدينة حمص، ولكن مع بداية الحرب، فقدت كل شيء دفعة واحدة، وفقدت بضاعتي وأصبحت بلا عمل." 

"استأنفت عملي من أشياء صغيرة ولكنني تمكنت من الانتاج والبيع وأصبحت أموري بخير"

انخرطت مفوضية اللاجئين في سوريا، بالتعاون مع شركائها، من أجل توفير فرص العمل لأفراد المجتمعات في جميع البرامج ذات العلاقة بسبل كسب العيش والتي تعتبر من أكثر أشكال المساعدة المطلوبة بالنسبة للنازحين. وقد بلغ مجموع الأشخاص الذين تم دعمهم من خلال تزوديهم بالتدريب المهني وأنشطة صقل المهارات الحياتية أكثر من 24000 شخصاً من النازحين ومن المجتمعات المضيفة لهم خلال العام 2017. وقد استفاد الكثير منهم من المنح المالية للبدء بأعمال صغيرة واستعادة قدراتهم على إدرار الدخل.

يعمل محمد الآن في ورشته الصغيرة بسعادة لا متناهية، حيث يقوم بتحديد شكل المرآة على الزجاج بالقلم، ومن ثم يضع غطاءً من النايلون على جسده ليحميه من قطع الزجاج المتناثرة،  ليباشر برد الزجاج على الآلة المخصصة لذلك . بعد ذلك، ينظف الزجاج ويلمعه جيداً، ويركّب القطع الزجاجية مع بعضها البعض ليحصل على المرآة المطلوبة. وأخيراً، يغلف المرايا ويضعها في صندوق معدني على دراجته الآلية ويطوف بها على زبائنه لبيعها في السوق المحلية.

يوجد في سوريا حالياً أكثر من 3.7 مليون سوري عاطل عن العمل، منهم 2.8 مليون شخص فقدوا وظائفهم خلال النزاع، وبالتالي تعتبر احتياجات دعم سُبل كسب العيش للنازحين ضخمة. يقول محمد: "استأنفت عملي من أشياء صغيرة ولكنني تمكنت من الانتاج والبيع وأصبحت أموري بخير".