فتى إيفواري لاجئ يكتشف عالماً جديداً في تونس

تساعد صناعة الحلي الفتى الإيفواري اللاجئ "عبدول" على التأقلم مع الحياة في مخيم للاجئين في تونس، وأن ينسى الماضي الأليم ويستعد لمستقبل أكثر إشراقاً.

عبدول يظهر أول قطعة له من المجوهرات على شكل زهرة الياسمين، وهي واحدة من رموز تونس.  © UNHCR/D.Alachi

مخيم شوشة للاجئين، تونس، 10 يناير/ كانون الثاني (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) - تساعد صناعة الحلي الفتى الإيفواري اللاجئ عبدول* على التأقلم مع الحياة في مخيم للاجئين بتونس، وأن ينسى الماضي الأليم وأن يستعد لمستقبل يبدو أكثر إشراقاً.

وقال الفتى الإيفواري البالغ من العمر 16 عاماً لموظفي المفوضية الذين زاروا مخيم شوشة للاجئين مؤخراً، حيث يعيش منذ شهر مارس/آذار من العام الماضي: "لقد بدأت اليوم في اكتشاف عالم آخر في تونس". يُعد عبدول من الفئات التي تعنى بها المفوضية، حيث وصل إلى تونس كقاصر دون ذويه، وتعكف المفوضية والحكومة التونسية على إيجاد حلول للباقين في شوشة قبل إغلاق المخيم في شهر يونيو/ حزيران.

وقد انتاب عبدول شعور بالعزلة الكاملة خلال معظم الأوقات التي يقضيها هنا، وكان يشعر بالملل، حيث يقع المخيم في منطقة قاحلة بين مدينة بن قردان والحدود الليبية القريبة. وأوضح قائلاً: "نعيش في شوشة في عالم آخر، حيث يشعر المرء تدريجياً أنه منعزل عن العالم الخارجي".

إلا أن معنوياته بدأت ترتفع الشهر الماضي عندما بدأ في المشاركة في برنامج التدريب التجريبي للمهارات الذي نظمته المفوضية بالتعاون مع المجلس الدنماركي للاجئين بمساعدة الوكالة التونسية للتكوين المهني. لقد اختار الدورة التدريبية الخاصة بصناعة الحلي التي عُقدت في مركز تعليم الحرف اليدوية والتدريب الكائن في مدينة قابس، على بعد نحو 140 كيلومتراً شمال غرب شوشة.

يتضمن برنامج التدريب المهني الذي تنظمه المفوضية أيضاً دورات تدريبة في تخصصات مثل النحت على الجص وقولبته، وطرق التجميع واللحام، وتقنية المعلومات في مجال الحاسب. وتُعقد الدورات التدريبية إما في مدينة قابس أو في بن قردان.

يشارك في هذه الدورات التدريبية التي تستغرق خمسة أشهر نحو 100 لاجئ يقيمون في شوشة والمناطق الحضرية، من بينهم 15 لاجئاً يداومون بفصول صناعة الحلي التي يحضرها عبدول.

وقد أشارت نيكول دوس ريميديوس، مسؤولة البرامج في المفوضية والتي تعمل في جنوب تونس، قائلة: "يكمن الهدف من التدريب في تزويد اللاجئين بمهارات ومعارف جديدة حتى يتمكنوا من تحقيق الاكتفاء الذاتي". ويهدف البرنامج أيضاً إلى تشجيع الاندماج داخل المجتمع المحلي.

يتعلم عبدول وزملاؤه الطلاب - من اللاجئين والتونسيين - كيفية تصميم قطع الحلي وصناعتها، ويتناولون طعامهم في المركز، ويبيتون في مهاجع خلال فترة الدورة التدريبية. كما أنهم يُكَوِّنون صداقات جديدة قيِّمة مع لاجئين وتونسيين آخرين أثناء استراحة الترحيب بهم في الدورة.

بالنسبة للبعض - الذين تشبه حالتهم وضع عبدول - قد تساعدهم الدورات التدريبية أيضاً في التعافي من الصدمة النفسية وتمنحهم ثقة وأملاً أكبر. لقد اضطر والداه إلى الهرب من كوت ديفوار لأسباب غير محددة والاستقرار في ليبيا عندما كان وليداً. وعاشوا معاً في مدينة زليتن الساحلية حيث توفيت والدته وعمره لم يتجاوز الأعوام الخمسة.

ولكن القدر كان يخبئ له المزيد من المآسي، فبعد قيام الثورة ضد نظام معمر القذافي في فبراير/ شباط 2011، كان الأفارقة الوافدون من جنوب الصحراء للحياة في ليبيا كعمال مهاجرين أو طالبي لجوء يتعرضون في كثير من الأحيان لهجمات من منطلق الشك في كونهم من العناصر المرتزقة الموالية للقذافي. وقد تملك الخوفُ الكثيرَ منهم لدرجة أنهم لم يبرحوا منازلهم.

في شهر مايو/ أيار 2011، اقتحمت عصابة من الملثمين المسلحين منزل عبدول واغتصبوا شقيقته ثم قتلوها ووالدهما عندما حاول الأخير التدخل لمنعهم. وقد سِيق الفتى إلى الاحتجاز حيث ظل في قبضتهم لمدة 10 أشهر. ويتذكر قائلاً: "لقد اكتظت إحدى الغرف بـ30 فرداً مِنَّا، وعلمت آنذاك أننا كنا في ]مدينة[ مصراتة. ويضيف أن بعضهم غادر الغرفة ولم يعد إليها ثانية.

أُخلي سبيله بعد 10 أشهر، ثم توجه إلى شوشة على الحدود الليبية التونسية، التي اكتظت بعشرات الآلاف من اللاجئين في مارس/ أذار 2011؛ الذين فروا جرَّاء الاضطرابات المندلعة في ليبيا. لقد ظل غير القادرين على البقاء في تونس أو العودة إلى ليبيا أو إلى بلادهم الأصلية عالقين في شوشة، على الرغم من إعادة توطين المئات في دول أخرى.

ومع مرور الأشهر في شوشة، حيث الأحوال الجوية القاسية، قرر عبدول أن يفعل شيئاً لكي يساعد نفسه. لقد أوضح بنبرة حماسية قائلاً: "لم أكن أطيق الجلوس عاطلاً في المخيم، متسائلاً عما أفعله كل يوم. وأخيراً بدأت التفكير في شيء محدد، ووجدت في التدريب غايتي".

يعيش اليوم في المخيم 1,358 فرداً، من بينهم 1,123 لاجئاً و22 طالب لجوء. رُفضت طلبات إعادة التوطين لنحو 400 لاجئ، وتبحث المفوضية الخيارات الاجتماعية والاقتصادية لإدماجهم. وتُعد دورات التدريب المهني جزءاً من هذه المبادرة. كما تحاول المفوضية - في حالة عبدول - تَتَبُّعَ أقاربه في كوت ديفوار.

يمثل الشباب غالبية المشاركين في الدورات التدريبية، كما توجد بعض الشابات أيضاً. وقد صرح جيانماريا بينتو، مسؤول المجلس الدنماركي للاجئين، بأن الدورات قد حالفها نجاح كبير إلى الآن. وقال معقباً على بدء عدد أكبر في التقديم للالتحاق بالدورات قائلاً: "في الدورة الأخيرة قبل إجازة نهاية العام، لم يكن اللاجئون راغبين في العودة إلى شوشة".

وقد بدأ عبدول من جانبه بالتفكير في حياته بعد إغلاق مخيم شوشة، قائلاً: "لقد بَعثت هذه الدورة التدريبية الأمل في نفسي، وحفَّزتني على مواصلة دراستي. ولأول مرة منذ سنوات، أنام جيداً. لقد بدأت حياتي في التحسن، وآمل أن أواصل على هذه الوتيرة".

*تم تغيير الاسم لأسباب تتعلق بالحماية

تقرير داليا العشي في مخيم شوشة، تونس