اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة.. امرأة ضريرة من جنوب السودان تتغلب على إعاقتها لتبلغ بر الأمان

نجت نيانتاي من إطلاق النار ومن الحيوانات البرية خلال فرارها من هجوم تعرضت له قريتها. إلا أن هذه المرأة الضريرة، وهي أم لأربعة أطفال، تشعر بالضياع في مخيم للاجئين في أثيوبيا حيث تقيم هناك.

نيانتاي مع صديقة لها في تيركيدي بعد رحلة مروعة من وطنها في جنوب السودان.  ©  UNHCR/C.Tijerina

تيركيدي، أثيوبيا، 3 ديسمبر/كانون الأول (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) - فيما دوى أزيز الرصاص في أذنَيها، لم تتمكن نيانتاي غاتكوث، المرأة الضريرة البالغة من العمر 40 عاماً ونيف، من سماع سوى بضع كلمات مما قاله الأشخاص الذين مروا بها راكضين، حول ما كان يحصل.

وبينما تلمست طريقها في قريتها مايووت، في ولاية أعالي النيل في جنوب السودان، عرفت أن القتال عنيف، بما أن أقاربها وجيرانها كانوا يمسكونها بيديها ويجرونها إلى الغابة. لكنها لا تتذكر متى أفلتت يدها من يد الشخص الأخير الذي أمسكها، لتبقى وحدها والرصاص يلاحقها. وتقول: "تابعت الركض، سمعت إطلاق النار وانتابني خوف شديد، لأنني لم أستطع رؤية أي شيء وكنت أركض وحدي."

وواجهت نيانتاي عقبات كثيرة؛ من حفرٍ تسببت بتعثرها ووقوعها، وأشجار اصطدمت بها وارتفاع الحرارة والتعب من الركض. بلغ بها الأمر حد الجلوس في الغابة وتمني الموت ميتة سريعة ولو مروعة. وتقول: "سمعت أصوات الأسود والضباع. أردتها أن تأتي وتنهش لحمي لسوء المكان الذي كنت فيه ولما شعرت به من ألم وضياع."

وتتابع قائلة: "انتظرت وفكرت: 'إن التهمتني الحيوانات، لا بأس بذلك. وإن قتلني الجنود، لا بأس بذلك أيضاً.' لم أشعر بالخوف في تلك اللحظة. كل ما كان يهمني هو الموت."

في اليوم التالي، وجد بعض الجيران نيانتاي واصطحبوها إلى مكان آمن. عبرت، في نهاية المطاف، الحدود إلى أثيوبيا لتأتي إلى مخيم تيركيدي للاجئين حيث اجتمعت بزوجها وأطفالها الأربعة الذين اعتقدت أنهم باتوا في عداد الأموات.

قالت نيانتاي: "عندما سمعت أصواتهم وعرفتهم، أغمي علي، ثم فقدت الوعي نهائياً. راح الناس يصبون الماء علي لأهدأ ولكنني لم أصحُ تماماً من الصدمة." زوَّدَتها وكالات الأمم المتحدة بالمساعدات الأساسية، إلا أن المفوضية تعتبرها ضعيفة جداً وتعتبر أنها بحاجة إلى مساعدة خاصة.

يحتضن مخيم تيركيدي المترامي الأطراف حوالي 50,000 شخص من لاجئي جنوب السودان البالغ عددهم 200,000 شخص تقريباً والذين كانوا قد فرّوا إلى أثيوبيا العام الماضي. منذ اندلاع القتال في ديسمبر/ كانون الأول الفائت بين القوات الحكومية والمتمردين، تم استهداف الأطفال والنساء والمسنين وذوي الإعاقة بشكل متكرر.

فقدت نيانتاي بصرها في شهر يناير/كانون الثاني 2011، عندما أدلى سكان جنوب السودان بأصواتهم لصالح الانفصال في استفتاء عام جاء بعد سنوات من الحرب الأهلية مع السودان. وتتذكر قائلةً: "بعد التصويت، أظلمت الدنيا في عيني. بإمكاني الآن أن أفرق بين الصباح والمساء، ليس إلا." هي تجهل سبب حدوث ذلك، إلا أن العديدين من سكان جنوب السودان يواجهون مشكلات في البصر نتيجة السد ونقص مرافق الصحة العامة والأمراض.

بعيداً عن قرية ألفتها جيداً، تشعر نيانتاي بالضياع في تيركيدي، حيث تعول على زوجة والدها لتطعمها وتلبسها وتأخذها إلى الحمام وتوجه خطاها.

وتقول: "لست مرتاحةً هنا بسبب وضعي. فكل ما أحتاج إليه يفعله الآخرون من أجلي، لذا أشعر بالسوء طوال الوقت. أشتاق إلى رؤية دربي، لأرى ما إذا كان ثمة ما قد أتعثر به، وطعامي لأرى ما إذا كانت فيه حشرات أو أشياء سيئة."

لكن أكثر ما تشتاق إليه نيانتاي هو سريرها، فكما تقول، الوقت الوحيد الذي تستطيع الإبصار فيه هو عندما تحلم. ولكنها تواجه مشاكل في النوم: "كان سريري في المنزل مريحاً جداً، ليس كما هو هنا... أشتاق إلى رؤية الشروق. لطالما استيقظت باكراً لأشاهده. العينان مهمتان للغاية. بإمكانك أن ترى أين تذهب، وأن تبصر الخطر والمسافة، لكن ذلك كله لم يعد ممكناً."

أضافت وهي تحتضن طفل أحد أقاربها: "لا يمكنني أن أرى مستقبلاً لي. هنا، أجلس في مكان واحد بحزنٍ." ولكن نيانتاي تتحلى بالأمل لحياة أطفالها، الذين باتوا يرتادون مدرسة داخل المخيم تضم أكثر من 6,000 تلميذ.

وقالت، بينما ارتسمت بسمة على وجهها عندما راح الطفل الذي كانت تهدهده يداعب وجنتيها بأصابعه الصغيرة: "يمكنهم أن يساعدوني في معاناتي، بما أن الوحيدين القادرين على مساعدتي هم الذين رأوا وعلموا."

يعرف ابن نيانتاي البكر، غاتويش، 15 عاماً، أنه غير قادر على إعادة البصر لوالدته. غير أنه مصمم على أن ينهي دراسته ويصبح قائداً في يوم من الأيام ويبني البلاد التي أرادت والدته أن تراها، ويقلب الظلمة نوراً.

يقول: "أريد أن أعمل في الحكومة يوماً ما لأردع صانعي العنف." ويضيف: " أود أن أضع حداً لذلك. بإمكاني أن أبني البلاد، وأن أؤمن الطرقات والتيار الكهربائي والمستشفيات - وكل ما يحتاج إليه الناس."

بقلم هنا ماكنيش، تيركيدي، أثيوبيا