لاجئون سوريون يبثون الحياة في قرية ألمانية

حين بدأ حجم المدرسة يتقلص في قرية غولزو الصغيرة، أنقذها اللاجئون السوريون من الانحدار.

كمالا البالغة من العمر عشرة أعوام، تلميذة مجتهدة، ومواضيعها المفضلة هي الرياضيات والموسيقى والرياضة.
© UNHCR/Gordon Welters

 

في عام 2015، أنقذت مجموعة من الأطفال السوريين اللاجئين مدرسةً ألمانية شهيرة من كارثة، وبثت حياة جديد في قرية منكمشة اقتصادياً. بعد حوالي عامين، أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من حياة المجتمع.

تقول حليمة طه، اللاجئة السورية البالغة من العمر 30 عاماً، التي فرت من الحرب في بلادها قبل 4 أعوام مع زوجها وأطفالها الثلاثة: "لم يكن هنالك حياة في سوريا، كنا جميعاً خائفين طوال الوقت. أردت السلام فقط، لا شيء آخر". عند وصولهم إلى ألمانيا، تطوعوا للانتقال إلى غولزو، وهي قرية صغيرة على الحدود الألمانية البولندية.

في ذلك الوقت، لم يكن لحليمة أي فكرة عما عنى وصول عائلتها بالنسبة للقرويين. آنذاك، كان أهل سكان القرية المنكمشة اقتصادياً قد تلقوا أخباراً سيئة عن مدرسة غولزو الابتدائية، المعروفة من قبل عشاق السينما في كافة أنحاء العالم بأنها كانت مسرحاً لـ"أطفال غولزو"، وهو فيلم وثائقي ملحمي مدته 24 ساعة، تم تصويرة قبل أكثر من خمسة عقود.

ومع ذلك، لم تكن شهرة المدرسة كافية لإنقاذها من آثار الانخفاض المتنامي. على مدى ثمانية أعوام، تقلص عدد سكان غولزو بنسبة 12%، ليصل إلى 835 فرداً فقط. ثم، في مارس 2015، حدث ما لا يمكن تصوره. للمرة الأولى منذ افتتاحها، فشلت المدرسة في جمع عدد الطلاب المطلوب لفتح صف الاستقبال.

"لم يكن هنالك حياة في سوريا، كنا جميعاً خائفين طوال الوقت"

وتوضح غابي توماس، مديرة المدرسة: "انتقل الكثير من الناس للعيش في أماكن أخرى في السنوات الأخيرة. لم يعد في القرية عائلات من الشباب ولديها أطفال بسن المدرسة. النشاط والحياة أمران بالغا الأهمية في منطقة ريفية، ومصدرهما الأطفال".

أصيب المجتمع بالذهول، خوفاً على بداية نهاية مدرستهم الحبيبة. واستمر الأمر إلى أن خرج رئيس بلدية غولزو، فرانك شوتز، بفكرة مبتكرة. سيطلب من السلطات المحلية إيجاد أسر لاجئة مع أطفال بسن المدرسة الابتدائية قد يرغبون بالانتقال إلى إحدى الشقق الكثيرة الفارغة في غولزو. ويقول شوتز، رئيس البلدية: "كانت الميزة الإضافية أننا نساعد شخصاً يساعدوننا كذلك".

تأقلمت كمالا بسرعة مع حياتها الجديدة، وتتحدث الألمانية بطلاقة تقريباً.   © UNHCR/Gordon Welters

على بعد ستين كيلومتراً، كانت حليمة وعائلتها الفتية قد وصلوا للتو إلى مركز براندنبورغ الرئيسي للاستقبال في آيزنهوتنستادت، منهكين تماماً بعد رحلة شاقة دامت ثلاثة أعوام ونصف العام على الطريق من سوريا إلى ألمانيا. عندما سئلوا عما إذا كانوا يرغبون في الانتقال إلى شقة ممنوحة بلا عوض، لم يدعوا الفرصة تفوتهم.

وتقول حليمة: "لم نمانع بالذهاب إلى أي مكان، طالما أنه نظيف، مع أناس طيبين. وفكرنا، لمَ لا؟". وبعد أشهر، وصلت حليمة وأسرتها وعائلة سورية أُخرى إلى غولزو، ومعهم ستة أطفال بسن المدرسة تشتد الحاجة إليهم لبدء العام الدراسي الجديد.

وعلى الرغم من أنهم كانوا أكبر سناً قليلاً من زملائهم، انضم ثلاثة قادمين جدد صغار إلى صف الاستقبال، مما رفع العدد إلى ما فوق الحد الأدنى المطلوب، أي 15 تلميذاً. وربح الجانبان- أُنقِذت مجموعة العام الدراسي الجديد، وحظي السوريون بمنزل جديد.

وبعد ما يقارب العامين، تأقلمت كمالا، ابنة حليمة البالغة من العمر 10 أعوام وإحدى منقذي الصف، مع حياتها الجديدة بسرعة. وكما تقول، تحيط بها مجموعة من أصدقائها في المدرسة الألمانية خلال استراحة بين الدروس: "الكثير من الأمور مختلفة هنا، طبعاً".

وعلى الرغم من أن كمالا وأسرتها من المسلمين، إلا أنها قالت بأنها تتمتع بتعلم العادات والتقاليد الألمانية. وتضيف بالألمانية بشبه طلاقة: "لم نحتفل أبداً في سوريا بعيد الميلاد، أو عيد الفصح، أو عيد جميع القديسين. أحب عيد الفصح كثيراً لأننا نبحث عن بيض الشوكولاته".

وكمالا تلميذة متألقة تمت ترقيتها أخيراً من صف الاستقبال التمهيدي إلى الصف الثالث حيث مواضيعها المفضلة هي الرياضيات والموسيقى والرياضة. وخارج المدرسة، تجد الكثير مما يشغلها، فتلعب التنس مع الأصدقاء في نادي القرية بعد المدرسة، أو تتعلم ركوب المهور التي يملكها جيرانهم.

"أحب عيد الفصح كثيراً لأننا نبحث عن بيض الشوكولاته"

وتقول كمالا عن زملائها الألمان: "يريدون أن يعرفوا عنا الكثير، كما نريد أن نعرف عنهم. هنالك الكثير لقوله وشرحه. أحياناً أُترجم للآخرين إلى العربية أو الألمانية".

والدا كمالا، حليمة وفادي، تكيفا جداً مثل ابنتهما، بحيث يلعبان أحياناً دور الوسيط بين الوافدين الجدد والسكان المحليين. في فبراير الماضي، ساعدوا في استقبال عائلة سورية ثالثة في غولزو.

وتقول حليمة: "ساعدناهم كثيراً حين لم يعرفوا أين يجدون ما يحتاجون إليه أو كيف تسير الأمور"، وهي تعتقد أن ذلك أقل ما يمكن أن يفعلوه نظراً للترحيب الذي تلقوه من القرويين.

فادي وحليمة يمشيان نحو منزلهما برفقة ابنتهما كمالا.  © UNHCR/Gordon Welters

وتتذكر حليمة: "أتى الجميع لاستقبالنا هنا حاملين الزهور. تفاجأت كثيراً، ولم أستطع أن أقوم بشيء إلا البكاء. إذا أتى المزيد من الأسر، سيكونون موضع ترحيب كبير. فغولزو منفتحة جداً، فهي قرية صغيرة وسكانها طيبون".

نالت حليمة وأسرتها الآن صفة اللجوء وتأشيرة تسمح لهم بالعيش والعمل في ألمانيا للأعوام الثلاثة المقبلة. وتعمل حليمة بدوام جزئي كمترجمة للغة العربية في جمعية خيرية ألمانية تساعد طالبي اللجوء. وفي الآن نفسه، يبحث فادي عن عمل ويتدرب للحصول على رخصة القيادة الألمانية. كما أنه يستمتع بصيد السمك والاعتناء بحصته من الحديقة المشتركة مع جيرانه.

وحتى مع ذلك، وبعد كل العمل الشاق الذي تكبداه للتكيف مع حياة القرية، ما زال فادي وحليمة يفتقدان نمط حياتهما السابق. ويقول فادي البالغ من العمر 40 عاماً، والذي كان يدير عملاً في قطاع العقارات من منزله في اللاذقية: "الأمر صعب. كنا نعيش حياة رغيدة في سوريا. ولكنْ، حين وقعت الحرب، كان علينا أن نغادر. ونحن نحاول الآن التأسيس لحياة جيدة مجدداً. علينا جميعاً مساعدة بعضنا البعض هنا. غولزو عائلة ثانية بالنسبة لنا. ولكنْ، بطبيعة الحال، كل ما نريده هو أن تتوقف إراقة الدماء في سوريا كي نتمكن من العودة إلى ديارنا مجدداً".

وتوافقه حليمة الرأي: "أود أن أتمكن وأطفالي من العودة إلى سوريا في أحد الأيام. الوطن هو المنزل، في النهاية. وبينما ننتظر، يجب على الأطفال أن يتعلموا ويدرسوا ويحصلوا على وظائف جيدة. على الأقل، نحن بأمان هنا".