الوضع الراهن للاجئين والنازحين في ظل الأزمات التمويلية
الوضع الراهن للاجئين والنازحين في ظل الأزمات التمويلية
بقلم الدكتورة نجية حفصة، نائبة ممثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالمملكة العربية السعودية
مع تزايد النزاعات وتكرار الكوارث المناخية، شهد العالم في السنوات الأخيرة مستوىً غير مسبوق من النزوح القسري. في نهاية عام 2024، بلغ عدد الأشخاص الذين يعتبرون مشردين قسرا لأسباب تتعلق بالاضطهاد والصراع والعنف وخرق حقوق الإنسان نحو 123 مليون شخص (لاجئون ونازحون داخليًا وعدد من عديمي الجنسية) رقمٌ يدل على ضخامة المأزق والعبء على الدول وأجهزة الإغاثة.
في الوقت الذي ترتفع فيه الاحتياجات الإنسانية بشكل حاد، شهد مشهد التمويل الدولي الإنساني تراجعًا معتبرًا، إذ تشير تقارير القطاع إلى انخفاض إجمالي تمويل الجهات المانحة العامة من حوالى 37.5 مليار دولار في 2023 إلى 33.9 مليار دولار في 2024، أي هبوطًا ملموسًا في موارد الاستجابة الإنسانية العالمية. هذا التراجع يأتي بينما تُعلن الأمم المتحدة وخبراء الإغاثة عن حاجات أكبر وخطط استجابة موسعة. نتيجة لذلك، تعاني استجابات الطوارئ من فجوات تمويلية كبيرة: خطط الاستجابة الإنسانية العالمية (Global Humanitarian Overview) أظهرت احتياجات تمويلية مرتفعة لمئات الملايين من الأشخاص وفجوات تمويلية كبيرة — نسب تغطية دون المستويات المطلوبة، ما دفع وكالات متعددة إلى تقليص البرامج أو إعادة ترتيب الأولويات بشكل يفرض اختيارات صعبة بين الخدمات الأساسية.
كيف يؤثر ذلك على النازحين: خدمات أساسية تُقلص واحتياجات تنمو
تراجع التمويل ينعكس فورًا على القدرة على توفير الغذاء، الماء والصرف الصحي، الرعاية الصحية الطارئة، الحماية، والمأوى. عندما تُخفض البرامج، تصبح دور عمليات الطوارئ مهددة، وخدمات التغذية العلاجية للأطفال قليلة، ووحدات الوقاية من الأمراض المزمنة متضائلة. هذا التحول لا يقدر بالأرقام المجردة فحسب، بل يؤثر بعمق على حياة الأسر — خاصة الفئات الأضعف.
أثر خاص على الأطفال — جوع، فقدان تعليم، وصدمات نفسية
الأطفال هم من أكثر الفئات تضررًا من نقص المساعدة: تقارير صحية وأبحاث ميدانية وثّقت ارتفاع حالات سوء التغذية الحادّة في مناطق محاصرة أو متضررة بشدة من النزاع. على سبيل المثال، دراسات وتقارير طبية حول السودان في 2025 أشارت إلى آلاف الأطفال دون الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، مع ارتفاع مخاطر الوفيات المرتبطة بسوء التغذية إذا استمر نقص المساعدات والوصول الإنساني المحدود. نقص التمويل يؤدي مباشرة إلى أجهزة تغذية أقل، وبرامج صحية ومحطات علاج أقل قدرة على الاستجابة للأزمة الغذائية بين الأطفال.
بالإضافة لذلك، يؤدي النزوح المتكرر وفقدان المدارس إلى انقطاع التعليم، ازدياد التسرب المدرسي، وزيادة تعرض الأطفال للاستغلال والعمالة المبكرة، ونمو المشاكل النفسية والنمائية التي قد تكون طويلة الأمد.
أثر خاص على النساء — ارتفاع مخاطر العنف ونقص خدمات الحماية
النساء والفتيات يتعرضن لارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV) خلال النزوح: مخيمات مكتظة، وفقدان سبل العيش يزيدان من التعرض للاعتداءات الجنسية، الزواج المبكر، والاستغلال الاقتصادي. في الوقت نفسه، برامج الحماية والاستجابة لنداءات العنف الجنسي غالبًا ما تكون من بين الأكثر تضررًا عند حدوث تخفيضات تمويلية؛ تقارير عدة بيّنت أن برامج منع والاستجابة للعنف ضد النساء ممولة جزئيًا فقط في العديد من استجابات اللاجئين الرئيسية. هذا النقص في التمويل يعني أن مراكز الدعم النفسي والقانوني، والخدمات الطبية المخصصة للناجيات، ومخارج الحماية المجتمعية قد تتوقف أو تعمل بمعدلات دنيا.
أثر على كبار السن — مجموعة مُهمشة ومرتبطة بأمراض مزمنة
كبار السن في حالات النزوح يعانون من تحديات خاصة: ضعف التنقل، أمراض مزمنة، حاجات دوائية مستمرة، وصعوبات في الوصول إلى المعلومات والمساعدات. هم عرضة للإهمال، الإساءة الاقتصادية أو الجسدية، ويصعب إدماجهم في برامج الطوارئ التي غالبًا ما تركز على الأسر الشابة والأطفال. عندما تُقلص برامج الصحة الأولية أو الدعم الاجتماعي بسبب نقص التمويل، يزداد خطر تدهور حالتهم الصحية. المنهجيات التمثيلية لكبار السن ونقص البيانات أيضًا يعرقل تصميم استجابات تناسب احتياجاتهم.
عواقب استراتيجية: مزيد من الضغط على مجتمعات الاستقبال واستدامة الحلول في خطر
نقص التمويل لا يؤثر فقط على المساعدات الفورية بل يقوّض مبادرات الإدماج والمساعدات طويلة الأمد (التعليم، سبل العيش، الحماية القانونية)، ما يزيد العبء على مجتمعات الاستقبال، التي بدورها قد تواجه توترات اجتماعية واقتصادية. تقليص التمويل يعني كذلك أن فرص الحلول المستدامة (الإدماج المحلي، العودة الآمنة، أو إعادة التوطين) قد تصبح أقل واقعية، مما يمد أمد الأزمات لأعوام.
توصيات عملية ومباشرة لصانعي القرار والمانحين والمنظمات
1. حماية التمويل الإنساني الأساسي: لا بد من الحفاظ على مصادر تمويل مستدامة لحماية البرامج الأساسية للخدمات (تغذية، صحة، حماية).
2. أولوية البرامج المستهدفة للفئات الضعيفة: تخصيص موارد محددة للنساء والفتيات، للأطفال (التغذية والتعليم النفسي الاجتماعي)، وكبار السن (الأدوية والرعاية المستمرة).
3. تمويل مرن وطويل الأمد: التحوّل من تمويل طارئ قصير المدى إلى تمويل مرن يدعم الاستجابة المبكرة والتعافي المبكر.
4. دعم المجتمعات المضيفة وحلول سبل العيش: تمويل مشاريع مدرة للدخل وبرامج اجتماعية تقلل الضغوط وتحفّز الاستقرار
5. تعزيز آليات الحماية المجتمعية والمشاركة المحلية: دعم منظمات المرأة المحلية، شبكات الحماية المجتمعية، ومشروعات تشتمل النازحين في تصميم الحلول.
6. تجميع البيانات واستهداف أفضل: تحسين حصر البيانات الخاصة بكبار السن والنساء والأطفال لتصميم برامج دقيقة وفعّالة.
خاتمة
العالم أمام مفارقة مقلقة و أعداد النازحين والضحايا الإنسانية في تزايد مستمر، بينما موارد الاستجابة الدولية آخذة في التراجع تركيبة تؤدي إلى فقدان خدمات حيوية وتوسيع نطاق المعاناة خصوصًا بين النساء والأطفال وكبار السن. معالجة هذه المعضلة تحتاج إلتزامًا سياسيًا وماليًا فورياً، مع إعادة ترتيب أولويات التمويل لصالح الحماية، التغذية، الصحة، والتعليم والبرامج المستهدفة للفئات الأكثر هشاشة. إن فشل المجتمع الدولي في ملء فجوة التمويل اليوم سيجعل الثمن غاليًا غدًا، على البشر والاقتصاد والاستقرار العالمي.