قوة تنبع من الداخل: كيف يتكاتف لاجئو الزعتري لحماية ودعم بعضهم البعض
قوة تنبع من الداخل: كيف يتكاتف لاجئو الزعتري لحماية ودعم بعضهم البعض
نشئ مخيم الزعتري للاجئين في عام 2012، على بُعد 15 كيلومتراً فقط من الحدود السورية، ويضم اليوم نحو 50 ألف لاجئ سوري. ما بدأ كمركز إيواء طارئ تحول تدريجياً إلى مجتمع ينبض بالحياة، يشارك فيه اللاجئون أنفسهم في إيجاد الحلول.
تدعم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بالتعاون مع شركائها، مجموعة كبيرة من المبادرات المجتمعية التي يقودها المجتمع داخل المخيم، بهدف تمكين اللاجئين وتعزيز اعتمادهم على أنفسهم وتحسين ظروفهم المعيشية. تعود هذه المبادرات إلى بداية تأسيس المخيم، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، حيث تم تنفيذ أكثر من 50 مبادرة منذ عام 2022. وفي بعض الحالات، تقدم المفوضية دعما أولياً بسيطاً لتعزيز هذه الجهود أو استدامتها، وفي حالات أخرى توفر الدعم اللوجستي والتنسيقي، بينما يتولى اللاجئون أنفسهم إدارة هذه المبادرات واستدامتها.
نمشي معاً، لنحافظ على الأمان
قبل شروق الشمس، وبينما تتجول الكلاب الضالة في الطرق الترابية ويعم الهدوء المخيم، تسير مجموعة من الفتيات في الطريق إلى المدرسة مع متطوعة ترتدي سترة أمان صفراء زاهية، ومكتوب على ظهرها شعار: "يجب أن تكون فتياتنا بأمان في طريقهن إلى المدرسة."
أُطلقت شبكة السلامة المجتمعية للفتيات المتوجهات إلى المدرسة عام 2023 بمبادرة من لاجئات قلقات من مخاطر السلامة في ساعات الصباح الباكر، والازدحام، والتحرش، والخوف الذي كان يمنع بعض الفتيات من الذهاب إلى المدرسة.
تقول زينب وهي طالبة في الصف السادس: "منذ أن بدأتُ الذهاب إلى المدرسة مع الآنسة بسمة، إحدى المتطوعات، أصبحتُ أشعر بالأمان. لم نعد أنا وصديقاتي نخاف."
وبتنسيق من المفوضية، باتت هذه المبادرة التي لا تعتمد على ميزانية تخدم اليوم نحو 60 فتاة شهرياً، بدعم من 9 متطوعات يرافقنهن يومياً، وما تزال في توسّع مع انضمام المزيد من الفتيات.
مشاركة الملابس وصون الكرامة
بدافع الرغبة في المساعدة، يقود فراس، 31 عاماً، دراجته يومياً عبر المخيم حاملاً أكثر من مجرد ملابس تم التبرع بها، بل ايضاً الاهتمام والرعاية. يقوم بتوصيل هذه الملابس إلى "بنك الملابس"، وهي مبادرة يديرها لاجئون تقوم بإصلاح الملابس واعادة توزيعها، وتدعم ما بين 200 الى 300 لاجئ شهرياً.
As Feras explained:
يقول فراس: "كان هناك لاجئين في المخيم لا يستطيعون شراء ملابس، حتى في العيد"، وهو ما دفعه للتحرك لبدء هذه المبادرة.
بمساعدة ثلاثة متطوعين، حولوا مستودعاً فارغاً إلى ورشة للملابس خلال شهر رمضان عام 2024، بتمويل بسيط قيمته 200 دينار أردني (280 دولار) من المفوضية، ما مكّنهم من شراء المستلزمات الأساسية مثل المكاوي، والعلاقات، ومواد الإصلاح، الى جانب ما تم التبرع به من آلات خياطة وغسيل.
وسرعان ما اكتسبت المبادرة انتشاراً واسعاً. فبعد الإعلان الأول، لم يتوقف هاتف فراس عن الرنين بسبب تدفق التبرعات من العائلات وأصحاب المحلات التجارية. إلا أنَّ عودة أعداد من اللاجئين إلى سوريا في عام 2025 شكلت تحديات لبنك الملابس، حيث قرر بعض المتطوعين العودة أيضاً. ومع ذلك، لا تزال المبادرة مستمرة ومعتمدة بالكامل على التزام المجتمع.
يقول فراس: "نحن مستمرون". ولن يفقد الأمل وأكمل: "إذا فكرت يوماً في العودة إلى سوريا، فمن الضروري أن أجد من يستمر في هذا العمل، وسأُتابع ما بدأت به في سوريا ايضاً."
متحف يحفظ الثقافة السورية حيّة
في المخيم، حيث يشكّل الأطفال نصف عدد السكان، وكثيرون منهم قد وُلدوا فيه، يعمل اللاجئون على الحفاظ على تراثهم من خلال متحف صغير يديره المجتمع. يعرض المتطوعون نماذج يدوية لمعالم سوريا الأثرية والتاريخية، من المسجد الأموي إلى آثار تدمر وغيرها. وعلى الرغم من بساطة المواد التي يستخدموها، أصبح هذا المتحف مساحة للتعلّم ورواية القصص.
تقول حمدة، هي لاجئة تقود المبادرة حالياً:
"نحن متفائلون بالمستقبل، ونحاول دائماً أن نذكّر أطفالنا وحتى أنفسنا، بأن لدينا حضارة."
وبتمويل من المفوضية لا يتجاوز 80 ديناراً أردنياً (113 دولار)، نجح تنفيذ هذه المبادرة بفضل شغف اللاجئين. يزور هذا المتحف المتواضع لاجئون من المخيم نفسه بشكل يومي تقريباً، حيث يُحضر بعض الأطفال عائلاتهم لرؤيته، بينما يعود آخرون مع أصدقائهم ويشرحون ما تعلموا بتفصيل وحماس.
تقول غفران، 12 عاماً، والتي جاءت طفلة رضيعة من سوريا إلى الأردن:
"نحن ممتنون جداً لهذا المتحف. لقد أعطانا فكرة عن سوريا قبل أن نعود إليها. تعلمنا الكثير عن بلدنا الأم ووطننا."
من خلال هذه المبادرات، يُظهر مخيم الزعتري أن الحلول لا تُقدم فقط، بل تُبتكر وتُبنى ويحافظ عليها المجتمع نفسه. فالمبادرات الصغيرة مثل مرافقة الفتيات إلى المدرسة، أو إصلاح الملابس، أو الحفاظ على التراث، تحول الأنشطة اليومية إلى مسؤولية مشتركة.
ومن خلال دعم القيادة المحلية والجهود الجماعية تُسهم المفوضية على تعزيز الثقة والكرامة والشعور بالانتماء، وتفتح المجال للتعلّم والقيادة والدعم المتبادل. حتى أصغر الأفكار يمكن أن تفتح أبواباً لفرص جديدة، وتمكين، وأمل.