ليس مجرد سقف: قصة منى حول الصمود والكرامة
ليس مجرد سقف: قصة منى حول الصمود والكرامة
بعد بضعة أسابيع فقط من وجودي في الأردن، أدركتُ أنّ انتهاء النزاع لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة.
اسمي هيلين، وأنا كوريَّةُ الجنسية، وأعمل كمساعدة لشؤون العلاقات الخارجية في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن. ويتمثّلُ جانبٌ كبيرٌ من عملي في مساعدة الشركاء على إدراك التحديات والواقع اليومي الذي يواجهه اللاجئون. ومن خلال هذا العمل، رأيتُ عن كَثَبٍ كيف يمكن لهذا الإدراك أن يُترجَمَ إلى دعمٍ حقيقيٍّ يُغيّر حياةَ الأُسَرِ الأكثرِ احتياجًا.
عندما وصلتُ إلى الأردن في نهاية عام 2024، كنتُ مستعدةً للتعامل مع إحدى أطول أزمات اللجوء المستمرة في العالم، وهي الأزمة السورية. وكنتُ أرى أنّ دوري يَتمثَّلُ في المساعدة على ضمان ألّا يُنسى اللاجئون السوريون، وأن يواصل الشركاء إدراكَ حجم احتياجاتهم. لكن بعد أسبوعين فقط على وصولي، سقطت حكومة الأسد في سوريا واحتفلت العديد من الأُسَر بإمكانية العودة إلى الوطن بعد أكثرِ من عَقدٍ من الزمن في المنفى. غَيرَ أنّه سُرعان ما اتَّضح أنّ طريق العودة لا يزال غير مؤكدٍ بالنسبة للكثيرين. لقد غيَّرت تلك اللحظة فهمي لهذا العمل؛ إذ أدركتُ أنّ الدعم لا يزال ضرورة ملحّة، ليس فقط لمساعدة اللاجئين على إعادة بناء مستقبلهم، بل أيضًا لتمكينهم من العيش بكرامةٍ ريثما يُقرِّرونَ خطوتهم التالية.
في عملي مع المفوضية في الأردن غالبًا ما أرى نفسي جسرًا يربط بين عالَمين. فمن جهةٍ، هناك اللاجئون الذين تحمل قِصَصُهُم الكثير من الفقدان وعدم اليقين، لكنّها تعكس أيضًا قدرًا هائلًا من الصمود. ومن جهةٍ أخرى، هناك الحكومات والشركاء، ومن بينهم الوكالة الكورية للتعاون الدولي، الذين يسعَون إلى تقديم الدعم ويملكون الإمكانات اللازمة لذلك.
ويَتَمثَّلُ دوري في مواءمة احتياجات اللاجئين مع أولويات الجهات المانحة، من خلال إعداد المقترحات والتقارير وتعزيز التواصل مع المانحين. وتَتَمثََّلُ الغاية من ذلك في نقل واقع اللاجئين إلى الأشخاص القادرين على إحداث التغيير، بأسلوبٍ صادقٍ وواضحٍ يَصعُبُ تجاهُلُه. ففي نهاية المطاف، يبقى الهدف تَحويلُ الاحتياجات والقصص إلى أثرٍ حقيقيٍّ يلمَسُهُ اللاجئون في حياتهم اليومية.
مُنى لاجئةٌ سوريةٌ من محافظة درعا، تَبلُغُ من العُمْرِ ستةً وستينَ عامًا، واحدة من كثيرين يشاركون قِصَصَهُم لمساعدة الجهات المانحة على فهم واقع اللجوء وتحدياته. تعرَّفتُ إليها لأول مرة قبل عام خلال زيارة للسفير الكوري إلى مخيم الأزرق. آنذاك، كانت قد انتقلت للتوِّ إلى مسكن جديد أُنشئ بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي. فبعد أحد عشر عامًا من العيش في ظروفٍ قاسيةٍ بالإضافة إلى معاناتها من مضاعفات صحيَّةٍ أدّت إلى بَترِ ساقيها، تَحدّثتْ عن شعورها بالراحة للمرة الأولى منذ سنوات. وبعد مرور عام، عُدتُ لزيارتها مجدَّدًا لأَفهمَ كيف أسهمَ هذا المسكن في تحسين حياتها اليومية، وما الأثر الذي ما زال يَترُكُهُ على حياتها حتى اليوم.
عندما سألتُها ما الذي يجعل المسكن الجديد مميّزًا، ظننتُ أن حديثها سيدور حول أمرٍ كبيرٍ أو استثنائي، لكن ما وصفته كان تفاصيلَ بسيطةً قد لا يفكّر معظمنا فيها أصلًا. قالت إنَّ الجدران والسقف أصبحا الآنِ مُغلَقَينِ بإحكام، فلا تجد الرياح منفذًا إلى الداخل أثناء الليل، وإنّ مياه الأمطار لم تعد تجد طريقها إلى المسكن. كما أنّها باتت تستطيع الوصول إلى دورة المياه من دون الحاجة إلى الخروج من المسكن؛ لأنَّ كل خطوةٍ غير ضرورية تُشكِّلُ عائقًا بالنسبة لها بسبب فقدانها ساقيها. هذه ليست أمورًا استثنائية، بل هي من أبسط مُقَوِّماتِ الحياة الكريمة. ومع ذلك، لم تكن هذه المُقَوِّماتُ مضمونةً لمُنى قبل عامٍ واحدٍ فقط. فلم يكن هذا الدعمُ رفاهيةٍ ولا مُجرَّدَ لَفتَةٍ إنسانية، بل كان تمكينًا لامرأةٍ نجت من الحرب وفقدت ساقيها، لتعيش أخيرًا في مسكنٍ صُمِّمَ بما يلبي احتياجاتها ويَصُونُ كرامتها.
أكثرُ ما بَقيَ عالقًا في ذهني لم يكن تفصيلًا تِقَنيًّا يَتَعلَّقُ بالمسكن، بل إجابةُ مُنى عندما سألناها ما الذي يُعجِبُها في منزلها الجديد. فقالت:
« كُلُّ شيء. كُلُّ شيء. كُلُّ شيءٍ فيه».
كثيرًا ما يَنظُرُ الناس إلى المسكن على أنّه مجرَّدُ جدرانٍ وسقفٍ. لكنّ المسكن في مخيمات اللجوء يعني أكثرَ من ذلك بكثير؛ فهو يُؤثِّرُ في الصحة والسلامة وسهولة استخدامِ المرافقِ والتَنقُّلِ فيها والخصوصيةِ والكرامة. فالمسكن الجيِّد التَّصميمِ يُتيحُ لشخصٍ ذي احتياجات خاصة مِثلِ منى أن يتحرك باستقلاليةٍ، ويُوفِّرُ للأُسَرِ الحمايةَ من الظروف القاسية، كما يمنحُ الأطفالَ بيئةً أكثرَ أمانًا وصحَّةً للنُّمو.
وبكوني مواطنةً كوريةً، فإنَّ رؤيةَ أثرِ دعمِ كوريا عن قُربٍ تَحمِلُ بالنسبة لي معنًى خاصًّا. وقد أتيحتْ لي فرصةُ مرافقةِ شركاءٍ كوريين خلال زياراتهم إلى المخيمات، وشَهِدتُ كيف تتغيَّرُ نَظْرَتُهم عندما يدخلون أحدَ المساكن ويلتقون بالأشخاص الذين تقفُ قِصَصُهُم وراءَ تقاريرِ المشاريع؛ إذ عندها تتحوَّلُ الأرقامُ والإحصاءاتُ إلى قصصٍ إنسانيةٍ.
إنَّ لقاءَ لاجئينَ مثلَ منى يُذَكِّرُني دائمًا بأهميةِ ما نقومُ به، وما تغيَّرَ في داخلي منذ وصولي إلى الأردن ليس دافعي للعمل، بل عُمقُ إدراكي لمعناه. فقد أصبَحْتُ أفهمُ على نحوٍ لم أكن قادرةً عليه من قبل ما يعنيه أن يظلَّ أملُ الإنسانِ مُعلَّقًا لأكثرَ من عَقدٍ من الزمن. وأفهمُ أيضًا ما الذي يعنيه أن تُعيدَ مبادرةٌ واحدةٌ، أو مسكن، أو زيارةٌ أو حتى محادثةٌ بسيطةٌ إلى شخصٍ ما شعورَه بأنَّه لم يُنسَ. وهذا هو ما يمنحني الدافعَ للاستمرار؛ معرفتي بأنَّ وراءَ كلِّ تقرير أكتبُهُ، وكلِّ شراكةٍ أساعدُ على بنائها، إنسانًا حقيقيًّا ينتظرُ أن يتغيَّرَ شيءٌ ما في حياته للأفضل.
بالنسبة إلى منى، وَفَّرَ دعمُ الوكالة الكورية للتعاون الدولي منزلًا أكثرَ أمانًا وملاءمةً لاحتياجاتها. أمَّا بالنسبة إليَّ، فقد رسَّخَ قناعةً أصبحتُ أُؤمِنُ بها إيمانًا عميقًا خلال فترة وجودي في الأردن: فعندما نوجِّهُ الموارد المناسبة إلى الاحتياجات الفعلية، فإنَّنا لا نُحسِّنُ المآوي فحسب، بل نساعدُ اللاجئين أيضًا على استعادةِ شعورهم بالراحة والاستقلالية وإحياء الأمل فيهم، أُسرَةً تِلوَ الأخرى.