عائشة وفالماتا تنسجان بداية جديدة تحت سقف واحد مجددًا في ميناواو
عائشة وفالماتا تنسجان بداية جديدة تحت سقف واحد مجددًا في ميناواو
في مخيم ميناواو للاجئين المكتظ بالسكان، في منطقة أقصى الشمال بالكاميرون، تمضي الحياة على إيقاع البقاء والروتين اليومي. يركض الأطفال عبر الممرات الضيقة الموحلة بعد هطول الأمطار، وينادي الباعة على الزبائن من أكشاك السوق الصغيرة، فيما يقوم الرجال بإصلاح المآوي ويتصاعد دخان الحطب من مواقد الطهي. ويؤوي ميناواو قرابة 80 ألف لاجئ نيجيري، رغم أنه صُمم في الأصل لاستيعاب 15 ألف شخص فقط. هنا، أعاد الناس بناء حياتهم من شتات، حصيرة تلو الأخرى، ووجبة تلو الأخرى، وسقفاً يلو الآخر.
أمام أحد المآوي، وبينما تتجمع سحب المطر الداكنة فوق المخيم، تجلس عائشة وابنتها فالماتا متقاربتين على حصيرة تحت ظل سقف جرى توسيعه حديثاً. وأمامهما ماكينة خياطة. ترتديان ملابس متشابهة، وتضحكان بعفوية، حتى إنهما تبدوان أحياناً أقرب إلى شقيقتين أو صديقتين عرفتا بعضهما طوال حياتهما، أكثر من كونهما أماً وابنتها.
تبلغ عائشة من العمر 40 عاماً، فيما تبلغ فالماتا، ابنتها الكبرى، 21 عاماً ولديها طفلان. يمتلئ منزل الأسرة بالأصوات والحركة والأطفال والعمل، وبشيء من القلق أيضاً. لكن في ظهيرة هذا اليوم، ثمة شعور بالارتياح. فللمرة الأولى منذ أشهر، عندما يبدأ المطر في الهطول، لا تسارع الأسرة إلى جمع الحقائب ورفع الحصائر أو إرسال الأطفال إلى الجيران.
إنهم يبقون في مكانهم.
تقول عائشة وهي تراقب قطرات المطر الأولى وهي تبلل الأرض: "الأمر ليس سهلاً، ولكن رغم معاناتنا في تأمين الطعام، فإن قدرتنا على البقاء معاً كأسرة واحدة بفضل هذا المأوى هي سبب يدعونا للامتنان."
قبل أسابيع قليلة فقط، لم يكن ذلك ممكناً.
عندما اجتاحت الأمطار الغزيرة مأواهم العام الماضي، انهار السقف. ومنذ ذلك الحين، كانت كل عاصفة تعني تكرار المشهد نفسه. يُرسل الأطفال إلى منزل، والكبار إلى منزل آخر. أحياناً كان الأقارب يستضيفونهم، وأحياناً كان الأصدقاء يفسحون لهم مكاناً، وفي أحيان أخرى كانت الأسرة تضطر إلى التفرق لأنه لم يكن هناك مأوى واحد يتسع للجميع.
تقول عائشة: "تخيل ألا يكون لديك طعام، وأن تظل في الوقت نفسه تتساءل إن كان طفلك الأصغر يبكي في منزل شخص آخر."
بالنسبة للأسر التي تعيش أصلاً في ظل حالة من عدم اليقين، فإن السقف يعني أكثر من مجرد مأوى. إنه المكان الذي ينام فيه الأطفال بالقرب من بعضهم بما يكفي للاطمئنان عليهم جميعاً، والمكان الذي تستطيع فيه الأم سماع سعال طفلها في الليل. إنه المكان الذي يمكن للأسرة أن تبقى فيه مجتمعة، حتى عندما تصبح كل جوانب الحياة الأخرى صعبة.
وتعرف فالماتا جيداً معنى فقدان الأمان أكثر من مرة.
كانت لا تزال في سن المراهقة عندما وصلت إلى ميناواو برفقة والديها. فرت الأسرة من بانكي، في شمال شرق نيجيريا، بعدما أجبرتها الاشتباكات بين جماعة بوكو حرام وقوات الأمن الحكومية على الفرار. وقبل الوصول إلى ميناواو، حاولت الأسرة العثور على الأمان في أماكن أخرى داخل نيجيريا، بما في ذلك لاغوس، إلا أن انعدام الأمن ظل يلاحقها بأشكال مختلفة. وفقد والدها، محمد علي، البالغ من العمر الآن 48 عاماً، بصره، فتقلصت الخيارات المتاحة أمام الأسرة. وفي سن المراهقة، دخلت فالماتا في زواج تقول إنه كان مرتبطاً بضرورات البقاء أكثر من كونه خياراً شخصياً. وبعد عامين، تركت ذلك الزواج وفرت مع والديها إلى الكاميرون.
وتقول: «عندما وصلنا إلى هنا، شعرنا وكأننا وجدنا السلام.»
وفي الكاميرون، وقعت في الحب وتزوجت. واليوم، هي أم وخياطة وابنة، وتؤدي دورها في تفاصيل الحياة اليومية التي تساعد الأسرة على الاستمرار. ويسافر والدها في كثير من الأحيان إلى غاروا، المدينة الرئيسية في منطقة الشمال، برفقة اثنين من أبنائه بحثاً عن العمل وإرسال الدعم إلى الأسرة في المخيم. وفي المنزل، تخيط عائشة وفالماتا الملابس كلما سنحت لهما الفرصة. عملهما متواضع، لكن كل دخل، مهما كان بسيطاً، يحدث فرقاً.
وتجلسان بملابسهما المتشابهة للخياطة تحت السقف الذي أعادتا بناءه بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. وشملت مجموعة مواد المأوى مشمعاً لتغطية السقف، وأخشاباً ومسامير وغيرها من المواد التي ساعدت الأسرة على إصلاح منزلها وتوفير حماية أفضل له.
لم تحل هذه المواد جميع التحديات. فلا يزال تأمين الطعام مصدر قلق يومي، لا سيما بعد توقف المساعدات الغذائية العام الماضي. كما أن فرص العمل غير مستقرة، والأسرة كبيرة. لكن دعم المأوى أعاد إليهم شيئاً أساسياً: القدرة على مواجهة المطر معاً.
من حول عائشة وفالماتا، يتحرك الأطفال ذهاباً وإياباً تحت الظل. يستند أحدهم إلى جدار المأوى، بينما يراقب آخر ماكينة الخياطة. وتبدأ مياه الأمطار بالانسياب على حافة السقف لتسقط على الأرض خارج الحصيرة، بدلاً من أن تتساقط على فراش الأسرة.
تنظر فالماتا إلى السماء، ثم تعود بنظرها إلى عمل والدتها.
وتقول: "في السابق، عندما كان المطر يهطل، كان علينا أن نهرب. أما الآن، فيمكننا الجلوس هنا."
في ميناواو، تحمل هذه الجملة البسيطة معنى كبيراً. فهي تعني أن الأطفال يستطيعون النوم في منزلهم، وأن الصغار لم يعودوا مضطرين إلى مغادرته عندما تتجمع الغيوم، وأن عائشة تستطيع إبقاء أسرتها مجتمعة في مكان واحد، حتى وإن استمرت التحديات الأخرى.
ويواصل المخيم من حولهم إيقاع حياته اليومية. السوق مزدحم، ويعود الأطفال إلى اللعب مع انحسار المطر، فيما تواصل الأسر أعمال الإصلاح والطهي والخياطة وإعادة البناء.
بالنسبة لعائشة وفالماتا، لا يأتي التعافي في لحظة درامية. إنه سقف يصمد عندما تثقل السماء بالغيوم. وماكينة خياطة تحت ظله. وأم وابنتها تعملان جنباً إلى جنب، وأطفالهما بالقرب منهما، والأسرة مجتمعة تحت سقف واحد.
تقول عائشة: "الآن، عندما يهطل المطر، يمكننا البقاء هنا."