من اللجوء إلى بناء السفن: رحلة أيمن من سوريا إلى إيطاليا
من اللجوء إلى بناء السفن: رحلة أيمن من سوريا إلى إيطاليا
أيمن مراد، لاجئ سوري يبلغ من العمر 40 عاماً، في مكان عمله الجديد في ميلانو بإيطاليا، بعد انضمامه إلى برنامج التوظيف التابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر.
في عام 2018، ومع اشتداد الحرب في سوريا، اضطر أيمن مراد إلى مغادرة بلده بمفرده، متجهاً إلى القاهرة بحثاً عن الأمان وبداية جديدة. وبحلول عام 2020، وبعد تسجيله لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، وجد نفسه أمام واقع يعيشه كثير من اللاجئين: عمل غير مستقر، ضغوط مالية، وخطط مؤجلة.
أيمن، خريج إدارة الأعمال من جامعة دمشق، أدرك أن إعادة بناء حياته تتطلب أكثر من مجرد الصمود؛ كانت تتطلب اكتساب مهارات جديدة وفتح آفاق مختلفة. وجاءت الفرصة عبر برامج التوظيف بالخارج التابعة للمفوضية بالشراكة مع شركة “أورينتا” الإيطالية، والتي تهدف إلى ربط اللاجئين المؤهلين بسوق العمل في أوروبا التي تعاني من نقص في العمالة. وكانت الفرصة هذه المرة للعمل كحدّاد (لحّام) في أحواض بناء السفن في ميلانو.
في سن الأربعين، وبدون أي خبرة سابقة في مجال اللحام، قرر أيمن خوض التجربة. يقول: “لم يكن لدي أي خلفية في اللحام — كان المجال جديداً تماماً بالنسبة لي.” لكنه لم يرَ في عمره عائقاً، بل فرصة لإثبات قدرته على التكيّف والبدء من جديد.
وبتمويل من المفوضية وتنفيذ من خلال معهد “دون بوسكو” التقني في القاهرة، خضع أيمن لتدريب مكثف شمل تقنيات اللحام ومعايير السلامة المهنية. تطلّب البرنامج انضباطاً عالياً ومثابرة مستمرة، ورغم صعوبة المرحلة، حافظ أيمن على تركيزه. وبعد اجتياز اختبارات ومقابلات صارمة، تم اختياره ليكون واحداً من مرشحين اثنين فقط من بين عشرات المتقدمين.
ويضيف: “هذا التدريب أعاد بناءي من الصفر. منحني الثقة بأنني قادر على التكيف والنجاح في مجال جديد.”
اليوم، يعمل أيمن في أحواض بناء السفن في ميلانو، حيث يشارك في تجميع المكونات الفولاذية للسفن الكبيرة، مستفيداً من المهارات التي اكتسبها في القاهرة. ويتحدث بإيجابية عن التجربة المنظمة والدعم الذي تلقاه طوال رحلته.
ومن خلال ما يُعرف بـ”المسارات التكميلية”، مثل مسار التوظيف، تعمل المفوضية مع شركائها على توفير طرق إضافية وآمنة وقانونية تُمكّن اللاجئين من الوصول إلى فرص خارج بلدان اللجوء. ويعني مسار التوظيف تحديداً إتاحة الفرصة للاجئين للسفر والعمل في الخارج بناءً على مهاراتهم، بعد حصولهم على تدريب وتأهيل يتناسب مع احتياجات سوق العمل.
وتُكمّل هذه المسارات برامج إعادة التوطين التقليدية، إذ لا تعتمد فقط على معايير الحماية، بل تفتح المجال أمام اللاجئين لبناء مستقبلهم من خلال العمل والاعتماد على الذات. وفي مصر، تسهم الشراكات مع شركات مثل “أورينتا” في ربط اللاجئين المؤهلين باحتياجات سوق العمل في دول مثل إيطاليا، بما يحقق فائدة مزدوجة: تمكين اللاجئين من الاستقلال الاقتصادي، والمساهمة في سدّ النقص في العمالة. وفي عام 2025 وحده، استفاد أكثر من 500 شخص من هذه الفرص، بعد حصولهم على تدريب مهني ومهارات لغوية تتماشى مع متطلبات العمل.
واليوم، يترقب أيمن محطة جديدة في حياته: لمّ شمله مع زوجته وابنه عمر، البالغ من العمر أربع سنوات، واللذين لا يزالان في القاهرة. بالنسبة له، لا يمثل عمله في إيطاليا مجرد وظيفة، بل خطوة نحو الاستقرار وبداية فصل جديد يعيد فيه بناء أسرته ويستعيد فيه إحساسه بالانتماء من جديد.