مركز كوركوسك المجتمعي، مساحة للأمان وتمكين المجتمع
في قلب مدينة كوركوسك تجري تغييرات هادئة وملموسة. على بعد أقل من كيلومتر من أحد أكبر مخيمات اللاجئين في العراق، ينبض مركز مجتمعي بالحياة خمسة أيام في الأسبوع. يأتي الأطفال بعد المدرسة للعب والتعلم، بينما تنضم النساء والفتيات إلى دروس محو الأمية، والتدريب المهني، والدورات التي تساعدهن على بناء الثقة وتحقيق الدخل. هذا هو مركز كوركوسك المجتمعي في أربيل، الذي أنشأته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ليخدم اللاجئين والنازحين العراقيين وأعضاء المجتمع المحلي في مساحة واحدة شاملة.
تم مؤخراً تسليم هذا المركز العصري المصمم خصيصاً من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في حكومة إقليم كردستان. يضم المركز ورش عمل واسعة، ومساحات لعب ملونة، وغرف استشارية مخصصة، ليُلبي احتياجات المجتمع المتعددة.
يقول هيوا حسين، رئيس مركز كوركوسك المجتمعي: المركز مفتوح للجميع، ولا نفرق بين اللاجئين أو النازحين العراقيين أو أهالي كوركوسك. يمكن لأي شخص من أي فئة المشاركة في البرامج أو التطوع كميسر».
تُعدّ حماية الطفل جوهر رسالة المركز. تدعم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الأطفال المعرضين للخطر، بمن فيهم اللاجئون. ويمثل افتتاح المركز علامة فارقة، إذ ينتقل من تقديم خدمات إنسانية موازية إلى توفير وصول مستدام وموثوق للخدمات العامة.
وقد مهدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الطريق لهذا التحول، حيث درّبت نحو 950 موظفًا حكوميًا وعاملًا في مجال حماية الطفل عام 2024 على إدارة الحالات ودعم الأطفال المعرضين للخطر، وذلك بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) التي تواصل دعم الأخصائيين الاجتماعيين من مديرية العمل والشؤون الاجتماعية، لتطبيق خبراتهم في العمل مع المجتمع.
يوضح هيوا قائلاً: «الدعم النفسي والاجتماعي من أهم برامجنا، لكن عملنا في حماية الأطفال في المركز يشمل أكثر من ذلك. يإذ يقوم أخصائيونا الاجتماعيون لدينا بتحديد الأطفال الذين يواجهون مخاطر جسيمة، سواء كانت عنفاً أو إهمالاً أو زواجاً مبكراً أو عمالة أطفال أو نقص الرعاية. يتم التعرف على هؤلاء الأطفال الأكثر ضعفاً مباشرة في المركز أو يُحالون إلينا من قبل قادة المجتمع اللاجئ أو منظمات الشركاء».
يواصل هيوا قائلاً: «نقدم لكل طفل متابعة ودعماً عن قرب. ويشمل ذلك تقديم الاستشارات، وزيارة أسرهم، وربطهم بالخدمات الصحية أو القانونية عند الحاجة. كما نعمل مع الآباء، ونرشدهم إلى أساليب التربية الإيجابية وكيفية حماية أطفالهم. وإذا كان الطفل غير ملتحق بالمدرسة، فإننا نساعده على العودة إلى التعليم.»
يوفر المركز مساحة آمنة يستطيع فيها الأطفال التحدث بحرية. يقول هيوا: "هدفنا الرئيسي هو تقليل المخاطر، وكسب ثقة الأسر، ومساعدة الأطفال على النمو في بيئة آمنة ومستقرة".
منذ افتتاحه في سبتمبر 2025، استفادت أكثر من 500 امرأة وفتاة، وأكثر من 900 طفل من الخدمات التي تقدمها مديرية العمل والشؤون الاجتماعية في المركز.
يُصمّم فريق العمل المُدرّب في مركز كوركوسك برامج متخصصة ويُدير ورش عمل لتنمية المهارات الاجتماعية. وفي قسم حماية الطفل المُخصّص يتعلّم الأطفال فيه كيفية الحفاظ على سلامتهم والتعبير عن مشاعرهم وفهم حقوقهم. ويضيف هيوا: "يتم توجيههم حول كيفية طلب المساعدة وكيفية حماية أنفسهم، كل ذلك في جوٍّ داعم يسوده الثقة. وبفضل الخبرة التي اكتسبناها، نستطيع إدارة هذا المركز بكفاءة عالية وتقديم الخدمات بأفضل ما لدينا من إمكانيات".
وتُعدّ هذه الملكية المحلية أساسية لاستدامة المركز.
لا يقتصر التعاون على المركز المجتمعي فحسب، بل يمتد ليشمل جوانب أخرى. يعمل الفريق بتعاون وثيق مع إدارة مخيم كوركوسك للاجئين، الذي يأوي أكثر من 8000 لاجئ سوري، 47% منهم أطفال دون سن 18 عامًا، وذلك لإحالة الأطفال اللاجئين الذين قد يحتاجون إلى دعمهم. كما يتعاونون مع المدارس المحلية لتقديم أنشطة نفسية واجتماعية، ما يُرسّخ مكانة المركز في نسيج المجتمع. يقول هيوا: "نهدف إلى أن يخدم هذا المركز الناس من جميع الأعمار والخلفيات".
مع ذلك، لا تزال التحديات قائمة. ومع انتقال العراق من الاستجابة الإنسانية إلى نهج التنمية الشاملة، تبقى المخاوف بشأن وجود فجوات في الدعم للأطفال الأكثر ضعفاً. ورغم ذلك، تظل المراكز المجتمعية مثل كوركوسك محورياً لسد هذه الفجوات.
يظهر نجاح المركز يومياً في ملامحه البسيطة: طفل لاجئ يلعب بجانب جار من المجتمع المحلي، أم نازحة تتعلم مهارة بجانب متطوعين عراقيين من كوركوسك. هذه اللحظات تبرز ما يمكن أن تحققه المساحات المشتركة، فهي تجمع المجتمعات معاً وتخلق شعوراً بالاندماج والتعاون والأمل.
ساهمت ليلي كارلايو في إعداد هذا التقرير.