إغلاق sites icon close
Search form

البحث عن موقع البلد

نبذة عن البلد

موقع البلد على الإنترنت

تُسهّل إجراءات التوثيق المدني عودة المواطنين العراقيين من شمال شرق سوريا

القصص

تُسهّل إجراءات التوثيق المدني عودة المواطنين العراقيين من شمال شرق سوريا

6 يوليو 2026 أيضاً متوفرة في
Abdulrahman holds his newly issued ID card. © UNHCR/Lilly Carlisle

تتأمل هند في البعيد وهي تسترجع ذكريات منزل عائلتها في مدينة سامراء في العراق، جدرانه الخرسانية، ورائحة الهواء الجاف، والحياة التي تركتها خلفها بعد زواجها قبل أكثر من عقد. وفي عام ٢٠١٩، قُتل زوجها خلال الصراع بين قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وداعش، لتجد نفسها وحيدة مع أطفالها الثلاثة الصغار. ومع محدودية الخيارات أمامها، عبرت الحدود إلى شمال شرق سوريا برفقة نساء أخريات وجدن أنفسهن في ظروف مشابهة.

عاشت هند في مخيم الهول لأكثر من سبع سنوات. "كان الأمر صعبًا، كان من الصعب تربية أطفالي في تلك البيئة"، كما تتذكر. أُعيد افتتاح مخيم الهول في مايو ٢٠١٦، وكان الهدف منه في البداية إيواء السوريين والعراقيين الفارين من العنف. وبحلول أوائل عام ٢٠١٩، وبعد تصاعد حدة الأعمال العدائية ضد داعش، توسع المخيم بسرعة ليستوعب عشرات الآلاف من الأشخاص. كان سكانها، مثل هند وعائلتها، يتألفون في الغالب من النساء والأطفال، وكثير منهم تربطهم صلات عائلية متصورة أو مزعومة بمقاتلي داعش.

في عام ٢٠٢٥، سنحت فرصة للعودة إلى الوطن من خلال عملية سهّلتها الحكومة العراقية لإعادة مواطنيها من شمال شرق سوريا. في أكتوبر من العام الماضي، كانت هند وأطفالها الثلاثة ضمن حركة العودة المنظمة الثلاثين، مُشكلةً بذلك الخطوة الأولى نحو إعادة بناء حياتهم في العراق. بين مايو ٢٠٢١ وفبراير ٢٠٢٦، وقبل إغلاق مخيم الهول، عاد أكثر من ٢١٥٠٠ مواطن عراقي من مخيمي الهول والروج عبر ٣٥ حركة منظمة.

منذ ذلك الحين، تقيم هند وعائلتها في مركز الأمل، حيث أمضوا ثمانية أشهر في برامج مُصممة لدعم إعادة اندماجهم في المجتمع العراقي.

يُعدّ الحصول على بطاقة الهوية العراقية الموحدة ، وهي وثيقة الهوية الأساسية الصادرة عن وزارة الداخلية، أحد الجوانب الرئيسية لإعادة الاندماج. توضح هند أنها لم تكن تملك بطاقة هوية موحدة من قبل، والتي أصبحت إلزامية في عام ٢٠٢٤ وحلّت محل الوثائق الورقية القديمة. الأوراق الوحيدة التي تحملها هي بطاقات هوية الحالة المدنية المنتهية الصلاحية من عام ٢٠١٠. تبتسم وهي تنظر إلى صور أطفالها الباهتة، جمانة وعبد الرحمن، اللذين يبلغان الآن من العمر ١٤ و ١٥ عامًا. وتقول: "إنهما يبدوان مختلفين تمامًا الآن".

Hind and her son Abdulrahman speak in sign language. © UNHCR/Lilly Carlisle

حصول أطفال هند على البطاقة الوطنية الموحدة يمثل أحد أكبر دوافعها. فابنها عبد الرحمن، الذي يعاني من إعاقة سمعية، واجه صعوبات كبيرة في مواصلة تعليمه في كل من مخيمي الهول والأمل.

تقول هند: "لن يقبلوه في المدرسة من دون هوية. ومن دون هذه البطاقة، لن يتمكن من الالتحاق بالمدرسة، أو تعلم لغة الإشارة، أو التواصل مع الآخرين. سيبقى معزولاً وغريباً في مجتمعه."

أما ابنتها جمانة، فتطمح أيضاً إلى استكمال تعليمها. وتوضح هند: "هي الآن في الصف الثاني الابتدائي رغم أن عمرها ١٤ عاماً، لأنها فقدت سنوات عديدة من الدراسة. وتحتاج إلى البطاقة الوطنية الموحدة لتقديم الامتحانات ومواصلة تعليمها. لا يمكنها فعل ذلك من دونها."

وبالنسبة لسكان مرکز الأمل، فإن الحصول على البطاقة الوطنية الموحدة ليس بالأمر السهل. فالإجراءات معقدة بسبب الاشتباه أو الارتباط الفعلي لبعض الأسر بتنظيم داعش، وما يترتب على ذلك من تدقيقات أمنية، إضافة إلى غياب الوثائق الأساسية مثل شهادات الميلاد أو الزواج أو الوفاة أو الطلاق. كما أن القيود المفروضة على حرية التنقل تمنع السكان من مراجعة دوائر الأحوال المدنية بأنفسهم لتقديم طلبات الحصول على البطاقة.

وهنا يأتي دور وكالات الأمم المتحدة. ففي مرکز الأمل، يعمل كل من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ضمن فريق قانوني مشترك، ويوظفون محامين ومساعدين قانونيين متخصصين لإعداد ملفات كل أسرة، بحيث تتولى كل وكالة متابعة القضايا التي تندرج ضمن ولايتها وخبرتها.

وفي حالة هند، زارها شريك المفوضية، منظمة إنترسوس، فور وصولها إلى المرکز، وحدد الوثائق المفقودة لديها، ثم كلف محامياً بمتابعة قضيتها. وتشير التقييمات إلى أن أكثر من ٩٩ في المئة من سكان مرکز الأمل لا يمتلكون البطاقة الوطنية الموحدة.

وبالنسبة لهند، بدأت الرحلة بالحصول على إثبات زواجها، ثم شهادة وفاة زوجها، تلتها وثائق الوصاية على أطفالها، قبل أن يصبح ملفها جاهزاً لتقديم طلب الحصول على البطاقة الوطنية الموحدة.

بعد أشهر من إعداد الأوراق اللازمة، أصبحت هند وأطفالها جاهزين أخيرًا لتقديم طلباتهم. في صباح يوم الرحلة، انضموا إلى نحو خمسين من سكان مركز الأمل، يرافق كل منهم محامون ساعدوا في تجهيز ملفاتهم. استقلّت المجموعة حافلات نظمتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة إنترسوس، وبدأت رحلة استغرقت ساعة ونصف إلى مديرية الشؤون المدنية في الموصل.

كانت الرحلة مليئة بالترقب. بالنسبة للكثيرين، كانت هذه هي المرة الأولى التي يغادرون فيها مركز الأمل منذ عودتهم إلى العراق. وبينما كانت الحافلات تسير على الطرق الترابية، نظرت العائلات إلى الحقول والقرى المارة، في تذكير بالبلد الذي يعودون إليه بعد سنوات قضوها في سوريا.

عند وصولهم إلى الموصل، اصطفت العائلات أمام مديرية الشؤون المدنية، حاملين ملفات الوثائق، في انتظار دورهم لتقديم الطلبات. رافقت هند وأطفالها محاميهم خلال الإجراءات، حيث قام المسؤولون بأخذ بياناتهم البيومترية، وأُدخلت بياناتهم في نظام طلبات الهوية الرقمية الذي تديره وزارة الداخلية.

“قالت هند: "بمجرد حصولي على بطاقة هويتي، سأتمكن من السفر إلى منزلي ورؤية والدتي مجددًا"، مؤكدةً على أهمية هذه الوثيقة لحرية تنقلها.”

بعد شهر، استلم محامون من منظمة "إنترسوس" وثائق الهوية الوطنية المكتملة لهند وجمانة وعبد الرحمن، ونقلوها إلى حي الأمل لتسليمها إلى عائلاتهم. كان الحماس واضحًا، لا سيما لدى عبد الرحمن الذي أدرك أهمية ذلك لمستقبله التعليمي. وبينما كانت إسراء، المساعدة القانونية، تسلم الوثائق إلى والدته، انتزعها عبد الرحمن من يدها وركض إلى الخارج ليُريها لأصدقائه في الحي.

أما بالنسبة لهند، فكان امتلاك البطاقات أكثر من مجرد إجراء شكلي، فهي تُمثل خطوة نحو الاستقرار، ومستقبل مبني على الانتماء.