استمرار معاناة السكان في لبنان رغم وقف إطلاق النار
استمرار معاناة السكان في لبنان رغم وقف إطلاق النار
هذه المدرسة في مدينة طرابلس، شمال لبنان، هي واحدة من بين العديد من المدارس المترامية في جميع أنحاء البلاد والتي تُستخدم كمآوٍ جماعية للعائلات النازحة.
يتدلى حبل غسيلٍ في المكان الذي كانت تشغله سبورة فصل دراسي، ويتمايل برفق وسط حرارة مرتفعة في مستهل فصل الربيع. وبدلاً من المقاعد، فإنك تجد صفوفاً من المراتب. تخترق أصوات المقيمين هنا الألواح الرقيقة التي تفصل العائلات عن بعضها البعض، وذلك بعدما اكتظ المكان بالكثيرين في هذه الغرفة الواحدة داخل مدرسة رمل الظريف العامة الواقعة في حي الحمراء، وسط العاصمة بيروت.
بعد مرور شهر تقريباً على إعلان وقف إطلاق نار هش، لا يزال هذا هو حال النزوح في لبنان. فهي ليست حالة طوارئ قد انتهت، بل إنها مستمرة، بهدوء، وبشكل غير منتظم، ودون التوصل لحل لها. يقيم حوالي 130 ألفاً من بين أكثر من مليون شخص ممن أُجبروا على الفرار من منازلهم في مآوٍ جماعية، معظمها عبارة عن مدارس.
يقول قاسم رضا، مستذكراً كيف نجت عائلته من غارات جوية عنيفة على الضواحي الجنوبية لبيروت: "فررنا من الضاحية وتشرّدنا هنا". وحالهم حال كثيرين غيرهم، فقد كانت رحلتهم إلى بر الأمان على عجل وغير مضمونة. وقد أمضت بعض العائلات أياماً على الطريق، فيما وصلت عائلات أخرى وليس بجعبتها سوى ملابس الشتاء التي كانت ترتديها.
عندما أُعلن عن وقف إطلاق النار، ساد جوٌ من الأمل، وقد حاولت عائلاتٌ كثيرة العودة، أو على الأقل الاطمئنان على منازلها. لكن هذه الجهود غالباً ما كانت قصيرة الأجل. يقول غدير حجاج، والذي فرّ من الجنوب: "عدنا ليوم واحد فقط، لكننا لم نشعر بأن الوضع مستقر بما يكفي للبقاء. حجم الدمار هائل، وصوت الغارات الجوية والطائرات المسيّرة في السماء كان لا يُحتمل... لذا قررنا العودة إلى هنا".
إنه نمط يتكرر في جميع أنحاء لبنان: عودة حذرة تليها موجة نزوح جديدة. وحتى بعد وقف إطلاق النار، فإن حالة انعدام الأمن والذخائر غير المنفجرة والدمار الواسع قد حال دون عودة السكان إلى ديارهم. تعرضت عشرات الآلاف من المنازل للضرر أو الدمار، بينما لا تزال سبل الوصول إلى المياه والكهرباء والرعاية الصحية والمدارس محدودة أو معطلة.
تعرضت المناطق السكنية في بيروت لأضرار جسيمة جراء الغارات الجوية في أوائل أبريل 2026.
رغم الهدوء الذي ساد بيروت في الأيام الأخيرة، لا تزال مناطق جنوب لبنان والبقاع الغربي تعاني من غارات جوية إسرائيلية شبه يومية، وعمليات هدم وتدمير، مما يؤثر على المنازل والبنية التحتية المدنية، ويجعل العودة صعبة أو خطيرة أو مستحيلة.
بالنسبة لأشخاص مثل يوسف قبيسي، والمتحدر من النبطية، فإن العودة إلى دياره في المستقبل القريب ليست خياراً مطروحاً. يوسف، وهو جندي متقاعد أمضى سنوات في بناء منزله، عاد ليجده متضرراً بشدة. يقول: "استثمرت فيه كل مدخراتي قبل أقل من خمس سنوات. جميع الجدران متصدعة الآن، ولا أستطيع المخاطرة بحياة عائلتي بالعودة. كما أن إصلاح المنزل سيكلفني مالاً ليس بحوزتي".
يقيم يوسف حالياً في مدرسة شمال لبنان، ويقضي أيامه في رعاية قطع أرض صغيرة في فناء المدرسة، حيث يزرع فيها الزعتر وإكليل الجبل، في محاولة منه للتعافي وسط هذه الظروف غير المستقرة.
تطل حديقة الأعشاب الخاصة بيوسف على ملعب المدرسة في شمال لبنان، حيث يعيش حالياً مع عائلته.
مرّ ما يقارب شهرين ونصف منذ بدء التصعيد العسكري الأخير. وتتسم الحياة داخل المآوي الجماعية، كالفصل الدراسي في مدرسة رمل الظريف، بالاكتظاظ وانعدام الخصوصية، إذ لم تُبنَ المدارس أصلاً لاستيعاب مئات العائلات. الحياة هنا عالمٌ من التناقضات، حيث يولد الأطفال بجوار أناسٍ ينوحون على فقدان أحبائهم الذين قُتلوا في النزاع.
اضطرّ الكثيرون إلى النزوح مراراً وتكراراً في الأسابيع الأخيرة. يقول بعضهم، بمن فيهم لاجئون سوريون فرّوا من بلادهم قبل 14 عاماً بحثاً عن الأمان في لبنان، إنهم غير قادرين على إحصاء عدد المرات. تقول امرأة تحاول تذكّر عدد مرات نزوحها: "أصابعي لا تكفي".
ساعد الدعم المقدم من المفوضية وشركائها، بما في ذلك تركيب فواصل وإجراء إصلاحات طالت مئات المآوي، على الحفاظ على الكرامة. يقول غدير: "هناك فرق شاسع الآن. ضوضاء أقل، وخصوصية أكبر. حتى أننا نستطيع استضافة أقاربنا النازحين أيضاً". لكن هذه التحسينات لا تُغيّر من حقيقة أن الناس غير قادرين على العودة إلى خصوصية منازلهم. ومع ارتفاع درجات الحرارة، باتت الأجواء وسوء التهوية مصدر قلقٍ مُلحّ.
أحد موظفي المفوضية يتحدث إلى عائلة في غرفتهم المقسمة حديثاً داخل مأوى جماعي في مدرسة بشمال لبنان.
تعاني العديد من العائلات من انعدام مصادر دخلها. مها، والبالغة من العمر 48 عاماً وهي من بلدة صريفة، فقدت منزلها وورشة اللحام الخاصة بزوجها جراء الغارات الجوية. تقول: "لم يتبق لنا شيء. هناك الكثير من المرضى هنا، والكثير من الاحتياجات. الحياة قاسية للغاية ولا يوجد عمل". تعمل ابنتها الآن في مطبخ المأوى لمساعدة الأسرة على البقاء.
يظهر الأثر النفسي جلياً بين الأطفال. تقول زهرة، البالغة من العمر 12 عاماً: "عندما أدخل فصلي الدراسي في مدرستي [في المنزل]، أذهب للدراسة. أما هنا، فأدخل الفصل لأنام وأعيش بعيداً عن المنزل لأنه ليس من الآمن العودة له". تقيم زهرة حالياً في فصل دراسي آخر في مدرسة البستا العامة، والتي تبعد 15 دقيقة فقط بالسيارة عن منزلها. لكن حيهم في بيروت تضرر بشدة أيضاً. تقول والدتها فاطمة: "لا توجد كهرباء، ولا ماء، ولا إنترنت لتعليمها عن بُعد. أشعر وكأنني أختنق. أشتاق إلى منزلنا".
في قاعة دراسية أخرى، تجلس مجموعة من النساء في حلقة خلال جلسة دعم، يتبادلن مخاوفهن ويمارسن تمارين التنفس للتخفيف من التوتر والصدمات النفسية. بالنسبة للكثيرات، تُعد هذه الجلسات المكان الوحيد الذي يُمكنهن فيه التحدث بصراحة. تجلس نوال في مكان قريب، لكنها تُفضل عدم الانضمام. تقول بهدوء، وهي تُمسك هاتفها: "أُفضل الاحتفاظ بقصصي في قلبي".