إغلاق sites icon close
Search form

البحث عن موقع البلد

نبذة عن البلد

موقع البلد على الإنترنت

اكتظاظ المدارس في لبنان بالعائلات النازحة مع تزايد الضغط على جهود الإغاثة

قصص

اكتظاظ المدارس في لبنان بالعائلات النازحة مع تزايد الضغط على جهود الإغاثة

في ظل فرار مئات الآلاف من اللبنانيين من الغارات الإسرائيلية المستمرة وتحذيرات الإخلاء، تمتلئ المآوي الجماعية بسرعة بينما تنخفض المخزونات الإنسانية.
14 مارس 2026 متوفر أيضاً باللغات:
اللاجئون السوريون صدام صمادي وزوجته هاجر وابنتهما جنى في فصل دراسي في إحدى مدارس طرابلس التي تم تحويلها إلى مأوى جماعي للنازحين.

اللاجئون السوريون صدام صمادي وزوجته هاجر وابنتهما جنى في فصل دراسي في إحدى مدارس طرابلس التي تم تحويلها إلى مأوى جماعي للنازحين.

يتردد صدى أصوات الأطفال الحادة في أروقة مدرسة بئر حسن الواقعة قرب شاطئ بيروت، لكنهم ليسوا هنا من أجل الدراسة. فالفصول الدراسية التي كانت تُعقد فيها الدروس حتى يوم الاثنين، 2 مارس، باتت الآن مكتظة بالعائلات التي نزحت من منازلها هرباً من الغارات الجوية الإسرائيلية.

تصاعدت وتيرة النزوح في مختلف أنحاء لبنان، وذلك كرد فعل على القصف المكثف وتحذيرات الإخلاء للمناطق المكتظة بالسكان في الضواحي الجنوبية لبيروت، وجنوب لبنان، وأجزاء من سهل البقاع. ووفقاً للإحصائيات الحكومية، فقد تم تسجيل أكثر من 822 ألف نازح حتى 12 مارس، إلا أن العدد الحقيقي يُرجّح أن يكون أعلى من ذلك، إذ تقيم العديد من العائلات لدى أقارب لها، أو في مساكن خاصة، أو أنها لا تزال في حالة من النزوح.

هذه المدرسة هي واحدة من أكثر من 600 مركز إيواء جماعي معتمد من الحكومة في أنحاء البلاد، وتستضيف حالياً أكثر من 128 ألف نازح، حيث وصلوا إلى هنا وليس بجعبتهم سوى القليل من الحاجيات الشخصية التي تمكنوا من انتزاعها في عجلة الفرار، كألعاب الأطفال، وطيور الزينة في أقفاص صغيرة، والكتب المدرسية وأقلام الرصاص.

من بين هؤلاء فادي مرعي، البالغ من العمر 58 عاماً، والذي قضى معظم حياته في ألمانيا قبل عودته إلى لبنان قبل بضعة أشهر. وبعد عودته بفترة وجيزة، فقد ساقه إثر إصابته بجروح خطيرة في غارة جوية بطائرة مسيرة استهدفت سيارة في الشارع الذي كان يقف فيه، في مدينة تبنين جنوب البلاد. وعندما اشتدت الهجمات في 2 مارس، اضطر للفرار إلى مجمع مدرسة بئر حسن، والذي يأوي الآن أكثر من 2,500 نازح.

ورغم التحديات التي يواجهها، يقضي فادي أيامه محاولاً رفع معنويات الأشخاص الآخرين الذي وصلوا إلى المدرسة.

يقول: "يطغى على الكثيرين هنا حالة من الإرهاق. إذا استطعت أن أرسم ابتسامة على وجه أحدهم، ولو للحظة، فإن هذا سيُساعدنا جميعاً. اضطررت لبيع كل ما أملك في ألمانيا، وحصلت على كامل معاشي التقاعدي، وعدتُ إلى لبنان لأقضي تقاعدي بين أهلي وأصدقائي هنا، لأجد نفسي عالقاً في هذه الظروف المجنونة".

تجلس عبير على مقعد في فصل دراسي آخر، تحشو وتلفّ ورق العنب بعناية لإطعام أقاربها. وقد فرّت الجدة البالغة من العمر 52 عاماً من الضواحي الجنوبية لبيروت قبل أسبوع برفقة عدد من أفراد عائلتها الممتدة.

تقول عبير: "غادرتُ وليس معي أي شيء. تمكّن ابني اليوم من الذهاب إلى شقتنا في الضاحية [الجنوبية لبيروت] ليحضر ما تبقى لدينا في الثلاجة. طهي الطعام لعائلتي هنا يُشعرني، ولو للحظة، وكأنني ما زلت في بيتي". يصوم بعض النازحين في شهر رمضان المبارك، بينما اضطر آخرون إلى التخلي عن صيامهم بسبب الوضع المضطرب.

عبير، البالغة من العمر 52 عاماً، تحشو أوراق العنب في فصل دراسي بمدرسة في بيروت حيث تقيم عائلتها بعد فرارها من منزلها.

عبير، البالغة من العمر 52 عاماً، تحشو أوراق العنب في فصل دراسي بمدرسة في بيروت حيث تقيم عائلتها بعد فرارها من منزلها.

بلغت نسبة إشغال مراكز الإيواء الجماعي في جميع أنحاء البلاد ما يقارب 90%. ولا تزال العديد من العائلات النازحة تقيم مع أقاربها أو تنام في السيارات والأماكن العامة لعدم عثورها على مأوى آمن لها.

وفي مركز إيواء آخر في مدرسة رفيق الحريري الثانوية بحي زقاق البلاط الذي يقع في العاصمة، تنام العائلات جنباً إلى جنب في فصول دراسية مكتظة أو في خيام منصوبة في باحة المدرسة. ويقيم حالياً حوالي 1,600 نازح في المدرسة.

طوال فترة ما بعد الظهر، يستمر جرس المدرسة بالرنين تلقائياً معلناً انتهاء الحصص الدراسية التي لا يستطيع أي طالب حضورها حالياً. بالنسبة للعائلات التي تأوي إلى هنا، فإن هذا الصوت يمثل تذكيراً مؤلماً في كل ساعة تمر وهم مجبرين على قضائها بعيداً عن منازلهم.

اضطر يحيى عساف، البالغ من العمر 59 عاماً، للفرار من غارة جوية قرب الحي الذي يقطن فيه، وهو يعيش الآن في خيمة صغيرة مع زوجته وأبنائه وأحفاده الثلاثة.

يقول عن أحفاده: "عندما يسمعون دوي الانفجارات، أقول لهم إنها ألعاب نارية لحفل زفاف. أحاول حمايتهم من الخوف والفظائع التي نمر بها".

تدعم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين جهود الاستجابة الحكومية بالتعاون مع السلطات الوطنية والشركاء في المجال الإنساني. ومنذ بداية تصاعد الأزمة، قدمت المفوضية المساعدة لأكثر من 66 ألف نازح في أكثر من 300 مأوى جماعي، حيث وزعت نحو 178 ألف مادة إغاثة طارئة، تشمل مراتب وبطانيات ومصابيح تعمل بالطاقة الشمسية وعبوات مياه.

لكن مع ازدياد وتيرة النزوح وطول أمده، تتزايد معها الاحتياجات بسرعة. ومع امتلاء المآوي تقريباً ونفاد مخزونات المساعدات بسرعة، تتعرض قدرة الجهات الفاعلة في المجال الإنساني على دعم الاستجابة التي تقودها الحكومة لضغط شديد، إذ لا تتجاوز حالياً نسبة تمويل عمليات المفوضية في لبنان 14%.

إلى جانب حماية أرواح المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين، ثمة حاجة ماسة إلى مزيد من الدعم الدولي لضمان حصول العائلات التي أُجبرت على الفرار على الحماية والمساعدة التي هي في أمسّ الحاجة إليها.

في طرابلس، وهي ثاني أكبر المدن اللبنانية والواقعة شمال البلاد على بُعد أكثر من 155 كيلومتراً من الجنوب، يستضيف مأوى جماعي آخر عائلات نازحة، تشمل لاجئين سوريين ممن نزحوا جراء قصف سابق عام 2024، من بينهم صدام صمادي وزوجته هاجر وأطفالهما الثلاثة، والذين كانوا يعيشون في كفر صير، النبطية، جنوب البلاد قبل أن يُجبرهم التصعيد الأخير على الفرار مرة أخرى.

انفصل محمد صمادي، البالغ من العمر 17 عاماً، لفترة وجيزة عن عائلته بعد فرارهم من منزلهم، قبل أن يلتم شملهم في مأوى جماعي داخل مدرسة في طرابلس، لبنان.

انفصل محمد صمادي، البالغ من العمر 17 عاماً، لفترة وجيزة عن عائلته بعد فرارهم من منزلهم، قبل أن يلتم شملهم في مأوى جماعي داخل مدرسة في طرابلس، لبنان.

لقد عادوا إلى نفس المأوى المدرسي في طرابلس والذي لجأوا إليه عام 2024. يقول صدام: "عدنا لأننا شعرنا بالأمان هنا". استغرقت الرحلة شمالاً حوالي يومين، بينما تستغرق عادةً ساعتين فقط. تفرقت العائلة على طول الطريق، واكتظت في سيارات مختلفة لعدم وجود مساحة كافية للجميع. تاه عنهم ابنهم المراهق محمد لساعات وهو في الشارع، محاولاً التواصل معهم، دون هاتف أو شاحن. وفي نهاية المطاف، اجتمعت العائلة مجدداً في المأوى.

يقول محمد، البالغ من العمر 17 عاماً، والذي يعمل في تركيب مصابيح تعمل بالطاقة الشمسية، إن الحياة لم تكن سهلة على الإطلاق، لكن أصعب ما فيها الآن هو حالة عدم اليقين: "كل ما أتمناه الآن هو أن تبقى عائلتي بأمان".