التعليم يُساهم في تعافي المجتمعات في السودان
التعليم يُساهم في تعافي المجتمعات في السودان
طالبات المدارس اللواتي عدن مؤخراً إلى الدراسة يحضرن دروساً في مدرسة الجبلين الثانوية للبنات في ولاية النيل الأبيض، السودان.
تُشرق شمس الصباح على ساحة المدرسة الثانوية المحلية في قرية الجبلين الصغيرة، الواقعة على الضفة الشرقية لنهر النيل الأبيض الذي يحمل اسم ولاية النيل الأبيض في السودان. تُضيء أشعة الشمس الأولى الغبار المنبعث من أقدام الفتيات اللواتي يهرعن نحو فصولهن الدراسية، وهنّ يحملن كتبهن المدرسية المتعبة ويتبادلن أطراف الحديث في مجموعات قبل بدء اليوم الدراسي.
قبل أشهر قليلة فقط، كانت فصول المدرسة خاوية ومتهالكة. أما الآن، فقد رُتبت مقاعد جديدة في صفوف داخل غرف طُليت جدرانها للتو، ومزودة بنوافذ وأبواب جديدة. بالنسبة لهذه القرية الصغيرة، فإن إعادة افتتاح المدرسة يُمثل أملاً متجدداً، إذ يُتيح للآباء إرسال بناتهم ليس للتعلم فحسب، بل لاستعادة شعورهن بالأمان والاستقرار.
تستضيف ولاية النيل الأبيض حالياً ما يُقدر بنحو 400 ألف لاجئ، ونحو 460 ألف نازح داخلياً. وقد شهدت المدرسة إقبالاً متزايداً منذ إعادة افتتاحها، حيث استقبلت مئات الأطفال النازحين والمحليين، مما أتاح لأكثر من 700 فتاة فرصة استئناف تعليمهن.
بالنسبة لهؤلاء الطلاب - وهم لاجئون من جنوب السودان المجاورة، وسودانيون من النازحين داخلياً، وأطفال من المجتمع المحلي – فإن هذا يُمثل عودةً إلى التعليم بعد أكثر من عامين ونصف من الصراع وانقطاع الدراسة. أما بالنسبة لمعلميهم، فهي فرصة للعمل بكرامة وإعداد الأطفال لمستقبلٍ يُرجى أن يتجاوز الصراع الحالي.
وقالت مديرة المدرسة، سوزان زين الكمالي: "كانت إعادة فتح المدارس بمثابة هدية لنا نحن المعلمين وللأطفال. فعلى الرغم من التحديات الكثيرة، وجدنا القوة للبدء من جديد. لقد تسبب الانقطاع في ضياع عامين من التعليم على العديد من الطلاب، لكننا نعيد بناء العملية التعليمية خطوة بخطوة".
وأضافت: "التعليم مهم للغاية للفتيات والفتيان على حد سواء، ولكنه مهم بشكل خاص للفتيات، فهو يمنحهن المعرفة والوعي بحقوقهن، إذ عندما لا تتلقى المرأة التعليم، فإنها تفقد تلك الحقوق".
سوزان زين الكمالي (في الوسط)، مديرة مدرسة الجبلين الثانوية للبنات، تُنجز أعمالاً إدارية في أحد الفصول الدراسية.
في أحد الفصول الدراسية، تبدأ حصة اللغة الإنجليزية بطلب المعلم من الطلاب تصريف الأفعال وتكوين جمل بسيطة. ورغم أن هذه التمارين قد تبدو بديهية بالنسبة لأعمارهم، إلا أن العديد من التلاميذ يعيدون تعلم مهارات فقدوها خلال سنوات انقطاعهم عن الدراسة.
تجلس في مؤخرة الفصل الدراسي أمنية، وهي فتاة سودانية نازحة داخلياً من الخرطوم وتبلغ من العمر 17 عاماً. هذا هو عامها الأول في المدرسة منذ فرارها مع عائلتها من العاصمة السودانية عام 2023، وهي مصممة على أن تكون هذه السنة الدراسية مثمرة.
تقول أمنية بصوت خافت: "عندما سمعت أن المدرسة عادت من جديد، شعرت وكأن الحياة تبدأ من جديد. قبل الحرب، كنت الأولى على صفي. أريد أن أحصل على أعلى الدرجات هذا العام - أريد دراسة الطب، وأحلم بأن أصبح طبيبة جراحة".
لا تزال أمنية تحمل ذكريات مؤلمة عن رحلة عائلتها من الخرطوم، لكنها في الجبلين، تجد الأمل من جديد - في إيقاع الدروس، وضحكات زميلاتها، والقوة الهادئة التي تنبع من التعلم.
أمنية (يساراً) تقف خارج مبنى المدرسة الرئيسي مع صديقتيها ندى (وسطاً) وكلثومة (يميناً).
تقول أمنية: "عندما أُغلقت المدارس، لم أستطع تخيّل نفسي بدون دراسة، لذا طلبت من عائلتي دفع تكاليف دروس اللغة الإنجليزية الخصوصية. منذ إعادة فتح المدارس، وأنا في غاية السعادة. أؤمن بأهمية التعليم للفتيات. عندما أصبح أماً، أريد أن أعرف كيف أُعلّم أطفالي. حتى في أوقات النزوح، يُمكن للتعليم أن يُساعدنا على بناء المهارات، والتكيّف، والتواصل مع الناس - فهو يُساعدنا على أن نصبح أقوى".
فقد ملايين الأطفال والشباب في جميع أنحاء السودان فرصهم في التعليم النظامي بسبب النزاع، حيث أُغلقت المدارس، واستُخدم العديد منها كملاجئ للعائلات النازحة.
تعمل المفوضية وشركاؤها - بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم السودانية - على إعادة تأهيل المدارس حيث يُمكن لأطفال النازحين قسراً وأطفال المجتمعات المضيفة التعلّم جنباً إلى جنب. كما تُقدّم المفوضية الدعم للتلاميذ والمعلمين، بما في ذلك الكتب المدرسية، والأقلام، والزي المدرسي، والموارد التعليمية، وغيرها من المواد.
يتم تمويل هذا العمل من خلال شراكة "بروسبكتس" متعددة السنوات، والتي تهدف إلى سدّ الفجوة بين الاستجابة الإنسانية والتنمية طويلة الأجل. من خلال الاستثمار في التعليم الشامل والمستدام، والدعوة إلى دمج اللاجئين في الأنظمة الوطنية، فإن هذه المبادرة تساهم في ضمان تمكّن كلٍّ من النازحين قسراً والمجتمعات المضيفة من التعلّم والنمو وبناء مستقبل أفضل معاً. ويجمع البرنامج في السودان بين حكومة هولندا، والمفوضية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ومنظمة العمل الدولية.
وتُعدّ برامج كهذه بمثابة شريان حياة للأطفال الذين انقطع تعليمهم، إذ يجري ترميم المدارس وتجهيزها بأثاث جديد ومرافق للمياه والصرف الصحي، لضمان بيئات تعليمية آمنة ومناسبة. كما يُوفّر للمعلمين المساحة والموارد والدعم اللازم لمساعدة الطلاب على استكمال دراستهم.
ومن خلال الاستثمار في المدارس الحكومية بدلاً من إنشاء أنظمة موازية، يُعزّز هذا المشروع - الذي يعكس روح شراكة "بروسبكتس" - نظام التعليم الوطني في السودان، ويجعله أكثر مرونة، ويساعده على التعافي والتكيّف لخدمة الأجيال القادمة.
معلم يُلقي درساً في أحد الفصول الدراسية التي تم تجديدها حديثاً في مدرسة الجبلين الثانوية للبنات.
يدرس الأطفال اللاجئون المناهج الدراسية نفسها التي يدرسها زملاؤهم السودانيون، ويتعلمون ليس فقط الرياضيات واللغة العربية والإنجليزية والعلوم، بل أيضاً قيماً كالتسامح والثقة والتفاهم المتبادل. ويُكوّنون صداقات تتجاوز الفوارق بين "لاجئ" و"نازح" و"مضيف".
وبينما لا يزال الصراع يُعطّل التعليم بالنسبة لكثير من الأطفال في أنحاء السودان، تُعيد هذه التدخلات التعليم الحكومي في المناطق الأكثر أماناً، مما يُرسي دعائم الاستقرار والتعافي.
وفي حين تُركّز المفوضية على دعم المدارس الثانوية والمعلمين، تقود اليونيسف جهوداً مُكمّلة في مجال التعليم الابتدائي. وتُساهم هذه التدخلات مجتمعةً في خلق سلسلة تعليمية مُستمرة من السنوات الأولى للدراسة وحتى سن المراهقة، مما يُعظّم الاستفادة من الموارد، ويبني القدرات الوطنية، ويُفيد المجتمعات بأكملها.
وبينما تُواصل أمنية التعلّم والتعافي مع زملائها، تحلم بأن يعود كل طفل في السودان أُجبر على ترك المدرسة إلى مقاعد الدراسة يوماً ما، كما فعلت هي.
تقول: "أريد أن تعود جميع الفتيات إلى مدارسهن. قبل الحرب، كان السودان بلداً رائعاً. بإمكاننا المساعدة في إعادة بنائه وجعله نموذجاً يحتذى به. آمل أن ينعم السودان بالسلام وأن يكون أفضل مما كان عليه من قبل".